محمود سعيد برغش
لم تعد المأساة خبرًا عابرًا… بل أصبحت واقعًا يتكرر حتى فقدنا الدهشة.
كل يومين أو ثلاثة، نستيقظ على خبر انتحار جديد… وكأن الموت لم يعد نهاية، بل وسيلة هروب من حياة لم تعد تُطاق.
أمّ تُنهي حياتها ومعها أطفالها…
رجلٌ مسن يشنق نفسه على بوابة القومسيون…
شاب يقف أعلى كوبري قبل أن يسقط بلا رجعة…
وفتاة تُدعى “بسنت” تُنهي حياتها في بث مباشر، وكأنها تصرخ: “أنقذوني”… لكن بعد فوات الأوان.
أي ألمٍ هذا الذي يجعل الإنسان يختار الموت بيده؟
وأي مجتمعٍ هذا الذي يرى… ولا يتحرك؟!
مشاهد من قلب الوجع ، في واقعة “بسنت”، لم يكن الانتحار مفاجئًا بقدر ما كان صرخة أخيرة موثقة.
تحدثت – بحسب ما تم تداوله – عن ظلم داخل حياتها الزوجية، عن ضغوط نفسية قاسية، عن شعور بالقهر والعجز، وكأنها كانت تبحث عن منقذ… فلم تجد.
أما الشاب الذي أنهى حياته أعلى الكوبري، فتشير روايات إلى أنه كان غارقًا في أزمة مالية خانقة، يقف بين متطلبات الحياة وعجزه عن تلبيتها… حتى انهار.
والمسن الذي شنق نفسه أمام القومسيون، لم يكن مجرد رجل عجوز… بل كان إنسانًا أنهكه الانتظار، وأرهقته الإجراءات، وقتلته نظرات التجاهل، حتى فقد إحساسه بكرامته.
ثم تأتي الفاجعة الكبرى… أمّ ترى أن الحياة لم تعد صالحة لأطفالها، فتقرر – في لحظة انهيار – أن تأخذهم معها إلى الموت… ظنًا منها أنها تنقذهم من واقع أقسى.
بين الأرقام والإنسان . في الوقت الذي نسمع فيه عن تقارير تتحدث عن نمو اقتصادي، وعن ترتيب متقدم، وعن مؤشرات إيجابية…
نرى في المقابل إنسانًا يسقط من الداخل.
فما قيمة أي تقدم… إذا كان الإنسان نفسه ينهار؟!
القضية لم تعد أرقامًا تُعلن…بل واقعًا يُعاش.
الدين: حماية النفس قبل كل شيء قال الله تعالى:
“ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا” وقال: “ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة”
وفي السنة، قال النبي ﷺ: “من قتل نفسه بشيء عُذب به يوم القيامة”
لكن الإسلام – في رحمته – لا ينظر للمنتحر كإنسان يُدان فقط، بل كروحٍ تألمت حتى سقطت.
فهو يُحرّم الفعل… لكنه يدعو لاحتواء الإنسان قبل أن يصل إليه.
وهنا مسؤولية المجتمع كما فهمها العظماء . كان يرى أن مسؤوليته تمتد لكل ضعيف ومحتاج، حتى قال:
“لو عثرت بغلة في العراق لسُئلتُ عنها…”
وقال : “لو كان الفقر رجلًا لقتلته”
كلمات تختصر الحقيقة: الفقر ليس مجرد نقص مال… بل تهديد للحياة نفسها.
وهنا العلماء رأي وايضا الفقه
أكد علماء مثل أن المنتحر مسلم عاصٍ، يُصلى عليه ولا يُكفَّر،
وهذا يعكس بوضوح أن الإسلام يفرق بين الجريمة والإنسان…
ويركّز على الرحمة لا الإقصاء.
ولذالك لابد من التحليل النفسي: حين يموت الأمل
الانتحار لا يحدث فجأة… بل هو نتيجة تراكم:
– اكتئاب حاد – ضغوط اقتصادية – ظلم أسري – شعور بالعجز
– فقدان الأمان
“بسنت” لم تمت لأنها ضعيفة… بل لأنها لم تجد من يحتوي ضعفها.
الشاب لم يسقط من الكوبري… بل سقط من داخله أولًا.
والمسن لم يشنق نفسه… بل انكسرت كرامته قبل ذلك بكثير.
الخطر الحقيقي هو حين تصبح هذه الحوادث متكررة…
فنحن لا نواجه “حالات فردية”… بل ظاهرة مجتمعية خطيرة.
ظاهرة تقول بوضوح: هناك خلل… في الاقتصاد… في العلاقات… في الدعم النفسي… وفي إحساس الإنسان بقيمته.
ما الذي نحتاجه؟ نحتاج إلى: – حياة كريمة حقيقية… لا وعود – دعم نفسي ومجتمعي فعّال – عدالة يشعر بها الناس
– إعلام يعكس الواقع… لا يجمّله – احتواء قبل الانهيار
الوطن ليس طرقًا ولا أبراجًا… الوطن هو الإنسان.
وحين يبدأ الإنسان في إنهاء حياته… فاعلم أن الخطر لم يعد في الخارج… بل في الداخل. نحن لا نطلب المستحيل…
نحن فقط نريد أن نشعر أن الحياة تستحق أن تُعاش.
نريد أن نعيش… لا أن نهرب من الحياة.

