الرئيسيةمقالاتشيخ العرب همام ، الجلسات العرفية
مقالات

شيخ العرب همام ، الجلسات العرفية

شيخ العرب همام « الجلسات العرفية »

بقلم : وليد وجدي

منذ زمن بعيد، ومن حكاوي الآباء والأجداد، كانت القرى والنجوع تعرف رجالًا يحملون الحكمة والهيبة والعدل، رجالًا إذا تحدثوا أنصت الجميع، وإذا حكموا رضي الناس بحكمهم. وكان من بين تلك الأسماء التي بقيت خالدة في الذاكرة اسم شيخ العرب همام، رمز الشهامة والكرامة وصاحب الكلمة التي لا تُرد.

 

كانت المجالس قديمًا تُعقد لحل النزاعات والخلافات بين العائلات والأفراد، ويجلس فيها كبار القوم وأهل الحكمة والخبرة، بعيدًا عن المصالح الشخصية أو صلة القرابة أو المجاملة. فكان الحق هو الأساس، وكانت كلمة الصدق أعلى من أي اعتبار آخر.

 

في تلك الجلسات لم تكن هناك لغة للتحايل أو الكذب، بل كان الجميع يعلم أن شهادة الحق أمانة، وأن الظلم مهما طال لا بد أن ينكشف. وكان الشهود يقولون الحقيقة دون خوف، لأن العدل كان هو الطريق الوحيد للحفاظ على ترابط المجتمع واستقرار الناس. وقد عُرف شيخ العرب همام بالحكمة وقوة الشخصية والقدرة على احتواء الأزمات، فكان يقف على مسافة واحدة من الجميع، لا يفرق بين غني وفقير، ولا بين قريب وغريب، وكان يسعى دائمًا إلى الإصلاح ولمّ الشمل وإطفاء نار الفتنة قبل أن تكبر.

 

لقد كانت تلك القيم عنوانًا لزمن جميل، زمن الرجال أصحاب المواقف والكلمة الصادقة، حين كان الاحترام متبادلًا بين الناس، وكانت المجالس العربية مدرسة في الأخلاق والرجولة والشهامة.

 

أما الآن، فأصبحنا نرى ونسمع الكثير من الحكايات التي تُدار في دهاليز الغرف المظلمة، حيث تُنصر بعض الأطراف لا لأن الحق معهم، بل لوجود صداقة أو قرابة أو مصلحة تجمعهم بمن يملك القرار. فأصبحت الموازين أحيانًا تميل بعيدًا عن العدل، وتحولت بعض المجالس من ساحات لإنصاف المظلوم إلى ساحات للمجاملات والحسابات الخاصة.

 

لم تعد الكلمة دائمًا كلمة حق كما كانت قديمًا، ولم يعد الجميع يقفون على مسافة واحدة من الخصوم، بل أصبح الأقرب إلى صاحب النفوذ أو الحكم هو الأقرب إلى الانتصار، حتى وإن كان الحق بعيدًا عنه. وهنا يتساءل الناس بحسرة: أين زمن الرجال أصحاب الضمير؟ وأين المجالس التي كان عنوانها العدل؟ وأين أنت يا شيخ العرب همام؟

 

أين تلك الهيبة التي كانت تُجبر الجميع على احترام كلمة الحق؟ وأين تلك القلوب التي كانت تخاف من ظلم إنسان واحد قبل خوفها من كلام الناس؟

 

ورغم كل ما تغير، يبقى الأمل دائمًا في وجود رجال شرفاء يعيدون للحق مكانته، ويثبتون أن العدل لا يموت مهما كثرت الفتن وتبدلت الوجوه، فالتاريخ لا يخلّد إلا أصحاب المواقف، والرجال الحقيقيون تبقى أسماؤهم محفورة في ذاكرة الشعوب مهما مر الزمن.

 

رحم الله زمنًا كانت فيه الكلمة عهدًا، والرجولة موقفًا، والحق لا يخشى أحدًا.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *