صورة ناصعة من صور الإتحاد
بقلم / محمـــد الدكـــروري
اعلموا أن الحج وحدة من وحدات الإسلام، وصورة ناصعة من صور الإتحاد، توحي بأن ديننا جزء لا يتجزأ، ولا يقبل التجزؤ فهو ينادي أحبته بأن يجتمعوا ولا يتفرقوا، ويتفقوا ولا يختلفوا، وليحذروا أي طريق يسلك بهم إلى التنازع فإن عدوهم لهم بالمرصاد، يهزأ بهم، ويسخر من صنعهم حينما يراهم شيعا وأحزابا، ولتكن قلوبنا كما هي في يوم الموقف في عرفات، وليكن قولنا واحدا كما هو شعارنا في حجنا لبيك اللهم لبيك وليكن هدفنا واحدا كما هو في حجنا إبتغاء لوجه الله والدار الآخرة، فلا نشتغل بطرد الذباب، والعدو قد انطلق من عرينه وله زئير يهز القلوب هزا، فإن الحج هو القصد، فليس القصد الضيق المعاين فحسب، لا بل هو أن نربط الأفئدة، وندرب الألسنة على كلمة الحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل هو إبعاد شبح الخلافات بيننا حتى لا يتحول جدال الألسن إلى قرقعة السنان بيننا، في كل عام يدعونا ربنا لتزكية نفوسنا.
ونبذ ما في نفوسنا من شحناء وبغضاء، والإقبال على الحياة من جديد، وبروح ملؤها المحبة والعطف والتسامح والإنسانية، وقبل ذلك شرع لنا حدودا نقف عندها، لا لنغسل الأدران المادية فقط، بل والمعنوية أيضا، فمن تلك الحدود لا رفث، ولا فسوق، ولا جدال، نعم فإنها مرحلة تأهيلية يخوضها الحاج خلال أشهر الحج ليست لتلك الفترة فقط بل ليعمل بها إذا عاد إلى بلده ومع إخوته والناس أجمعين، وقد إختار الله تعالى لأداء مناسكه أشرف زمان، وأطهر مكان، وأقدس بقعة، وإختص المناسك بشعائر ليست لغيرها، وحرم زمانها ومكانها، وألزم بالإحرام من قصدها، وجعل مراعاة حرمتها، وتعظيم شعائرها دليلا على التقوى، والحج في شعائره وأعماله وزمانه ومكانه مما يرسخ التوحيد في القلوب، وهو دليل على إيمان من أداه على الوجه المطلوب، ومن تأمل أذكار الحج وجد فيها من توحيد الله تعالى وتعظيمه وإجلاله ما يعلق القلوب به سبحانه وحده لا شريك له.
ففي كل منسك ذكر ودعاء من بداية التلبس بالإحرام إلى وداع المسجد الحرام، فذكر في الإحرام، وذكر في الطواف، وذكر في السعي، وذكر في رمي الجمار وعند نحر الهدي، ذكر في المواقيت، وذكر في المسجد الحرام، وذكر في المشاعر المقدسة، حتى إن مكة وبطاحها، ومنى وأوديتها لتضج بالتلبية والذكر، وحتى إن عرفة ومزدلفة لتشهد دعاء الداعين، وذكر الذاكرين، ويحرم الحاج من الميقات فيهل بالتوحيد، تأسيا بالنبي المصطفي صلى الله عليه وسلم، والتلبية هي الإجابة، وهي دليل على الإستسلام لله تعالى والإنقياد له ومحبته، ورجائه والخوف منه، وفي جملتها القصيرة نفي الشريك عنه سبحانه وتعالى في موضعين، والإعتراف له بالحمد، والإقرار بنعمته، والإعتراف بملكه ولذا كان إله الحق، وما سواه من الآلهة فآلهة باطلة، والتوحيد في ألفاظ التلبية فيه مراغمة للمشركين، وإبطال لتلبيتهم، ويشتغل الحاج بالتلبية طيلة إحرامه.
فهي شعار الإحرام وذكره المخصوص، وإذا طاف بالبيت كبر عند ركنه المعظم، والتكبير توحيد، وإقرار بأن الله تعالى أكبر من كل شيء، وهو شعار الصلاة ونداؤها وإحرامها وسائر الطواف محل ذكر ودعاء وقرآن، والسعي بعد الطواف من الشعائر العظيمة المنصوص عليها في القرآن ولذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما دنا من الصفا ثم قال ” إن الصفا والمروة من شعائر الله” وقال ” أبدأ بما بدأ الله به” ثم بدأ بالصفا، وكم في هذا الذكر من التوحيد، فوحد الله تعالى وكبره، ثم هلله سبحانه، والتهليل هو أخص ذكر للتوحيد، وأقر له بالملك والحمد والقدرة على كل شيء، وذكر ما من به سبحانه عليه من النصر وهزيمة الشرك وأهله، وجعل هذا الذكر المبارك متخللا الدعاء على الصفا والمروة، والدعاء هو العبادة كما جاء في الحديث، وهو دليل على تعلق قلب الداعي بمن دعاه، ولا يقتصر تقرير التوحيد بالأقوال في الحج على البيت الحرام.
بل يتواصل ذلك في المشاعر كلها فالتلبية والتكبير، مستمران طيلة الموسم، يعج بهما الحجاج في تنقلاتهم بين المشاعر لإعلان التوحيد، فيا له من مشهد مهيب، يهيض القلوب على الخشوع، ويحرك المشاعر فتسيل المدامع، ويعتري الجسد قشعريرة لا أحسب أن أي لذة في الدنيا مهما كانت تعدل لذة تلك اللحظات المفعمة بالإيمان واليقين، والقرب من رب العالمين.
صورة ناصعة من صور الإتحاد


