الرئيسية » عتاب
مقالات

عتاب

عتاب

بقلم/ناني عادل

العتاب ليس دائما خصاما وليس كل من يعاتب يريد الرحيل فقد يكون العتاب في اوقات كثيرة
محاولة اخيرة للحفاظ على شيء

 

جميل قبل ان ينهار وقد يكون وراء كلمة بسيطة وجع كبير لم يجد طريقا للخروج الا في صورة عتاب والانسان لا يعاتب من لا يعني له شيئا فالانسان يستطيع ان يتجاوز اخطاء الغرباء بسهولة لكنه يتوقف كثيرا امام اخطاء من يحب لأن الخطأ عندما يأتي من

 

شخص قريب لا يؤلم بسبب الموقف وحده بل يؤلم بسبب المكانة التي كان يحتلها صاحب الموقف داخل القلب ولهذا يكون عتاب القريب مختلفا عن عتاب البعيد فالبعيد يمكن ان نغلق معه الحديث ونمضي لكن القريب يجعلنا نقف امام تفاصيل كثيرة ونقول لماذا فعلت ذلك وانت

 

تعرفني ولماذا قلت هذه الكلمة وانت تعرف مقدار ما تعنيه لي ولماذا اخترت الصمت في الوقت الذي كنت احتاج فيه الى وجودك وقد يظن البعض ان كثرة العتاب دليل على الضعف لكن الحقيقة ان العتاب قد يكون دليلا على ان هناك شيئا ما زال يستحق المحاولة لأن الانسان عندما يفقد

 

الامل لا يعود لديه ما يقوله ولا يجد سببا للشرح ولا ينتظر تغييرا ومن هنا يصبح الصمت احيانا اقسى من الكلام لأن الشخص الذي كان يعاتبك ثم توقف فجأة قد لا يكون اصبح بخير كما تظن بل ربما وصل الى مرحلة لم يعد يرى فيها فائدة من الحديث وقد يكون قد استنفد قدرته على الانتظار وقد

 

يكون داخله كلام كثير لكنه اختار ان يحتفظ به لنفسه لأنه تعب من تكرار الشيء نفسه ومع ذلك ليس كل عتاب يستحق ان يقال وليس كل شخص يستحق ان نشرح له وجعنا فهناك من يسمع العتاب حتى يفهم وهناك من يسمعه حتى يستخدمه ضدك وهناك من يرى مشاعرك فرصة لاثبات سيطرته

 

وهناك من لا يهتم اصلا ولذلك يحتاج الانسان الى ان يعرف لمن يتحدث ومتى يتحدث وكيف يتحدث فالعتاب الحقيقي ليس صراخا وليس اهانة وليس محاولة لكسر الطرف الآخر بل هو كلام صادق يقول انا تألمت مما حدث وكنت اتمنى منك شيئا مختلفا

 

وهذا الكلام يحتاج الى شجاعة لأن الانسان عندما يعاتب يكشف جزءا من قلبه ويعترف بأن تصرفا ما اثر فيه ولهذا لا يجب ان يكون العتاب بابا للاهانة ولا وسيلة للانتقام فالانسان الذي يريد اصلاح علاقة يتحدث عن الاثر الذي تركه التصرف وليس عن عيوب الشخص كلها ويعطي فرصة

 

للفهم ويستمع ايضا الى الطرف الآخر فقد يكون هناك سوء فهم وقد تكون هناك ظروف لم يكن يعرفها وقد يكون الخطأ غير مقصود وقد يكون الطرف الآخر نفسه يحمل عتابا لم يتحدث عنه ومن هنا يمكن للعتاب ان يتحول من مواجهة مؤلمة الى مساحة صادقة تعيد ترتيب العلاقة لكن

 

المشكلة تبدأ عندما يتحول العتاب الى عادة فيصبح الانسان يعاتب على كل شيء ويحسب الكلمات ويجمع الاخطاء القديمة ويستخدم الماضي في كل نقاش وعندها لا يعود العتاب طريقا للاصلاح بل يصبح وسيلة لفتح الجروح من جديد والعلاقة التي لا تستطيع ان تغلق بعض الملفات القديمة ستظل

 

تعيش في الماضي حتى لو تغيرت الايام فالانسان يحتاج الى ان يعرف متى يتحدث ومتى يسامح ومتى يتجاوز ومتى يضع حدا نهائيا وقد يكون اصعب قرار هو ان تعاتب مرة اخيرة ثم تكتشف ان الطرف الآخر لم يفهم او لم يهتم او لم يحاول التغيير وهنا يكون عليك ان تسأل نفسك هل

 

اريد الاستمرار في شرح نفس الوجع ام انني اريد حماية نفسي وقد تكون الاجابة مؤلمة لكنها ضرورية لأن هناك علاقات لا ينقصها الكلام بل ينقصها الاحساس وهناك اشخاص يسمعونك جيدا لكنهم لا يريدون ان يتغيروا وهناك من يعرف تماما ما يؤلمك لكنه يكرر الشيء نفسه

 

ولهذا لا قيمة لالف عتاب اذا كان الطرف الآخر يرى وجعك ثم يختار ان يعيد السبب نفسه ومع ذلك يبقى العتاب الناضج مختلفا لأنه لا يقوم على الرغبة في الانتصار بل على الرغبة في الوضوح والانسان الناضج لا يعاتب ليجعل الطرف الآخر يشعر بالذنب فقط بل يعاتب حتى يعرف هل هناك مساحة

 

للاصلاح ام لا وقد يكون العتاب احيانا هو آخر باب قبل الرحيل وعندما يغلق هذا الباب لا يكون الرحيل دائما بسبب قسوة القلب بل قد يكون بسبب التعب فقد يصل الانسان الى مرحلة يدرك فيها ان كرامته وراحته النفسية تحتاجان الى قرار واضح وان الاستمرار في علاقة تجعله يشعر

 

دائما بأنه غير مهم قد يكون ظلما لنفسه وقد يتعلم الانسان من ذلك ان المحبة لا تعني ان نتنازل عن احترامنا وان الوفاء لا يعني ان نتحمل كل شيء وان التسامح لا يعني ان نسمح بتكرار الاذى وان القرب الحقيقي لا يحتاج الى ان نثبت قيمتنا كل يوم لأن من يعرف قيمتنا لا يجعلنا في حالة دائمة من

 

السؤال عن مكانتنا وفي النهاية يظل العتاب رسالة لها عمر محدد فإذا جاءت في وقتها يمكن ان تنقذ علاقة كاملة وإذا جاءت بعد ان مات الشعور تصبح مجرد كلام متأخر ولهذا اجمل عتاب هو الذي يأتي قبل ان يتحول الحب الى برود وقبل ان يتحول القرب الى مسافة وقبل ان يصبح الصمت هو

 

اللغة الوحيدة بين شخصين كانا يوما يتحدثان عن كل شيء اما عندما يصل الانسان الى مرحلة لا يريد فيها العتاب ولا يريد التفسير ولا ينتظر الاعتذار فهنا يجب ان نفهم ان شيئا عميقا قد انتهى لأن القلب لا يصمت دائما لأنه سامح بل قد يصمت لأنه تعب ومن

 

الحكمة ان نعرف الفرق بين الصمت الذي يأتي بعد السلام والصمت الذي يأتي بعد الانكسار فليس كل هدوء راحة وليس كل ابتعاد قسوة وليس كل من توقف عن العتاب لم يعد يهتم فقد يكون قد اهتم كثيرا حتى لم يعد لديه شيء آخر يقوله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *