علي سليمان السليماني: نحات الذاكرة الحجازية* )
*بقلم: أ.د/ لمياء كرم صافي*
*أستاذ النحت ورئيس قسم التربية الفنية – جامعة كفر الشيخ*
————————-
يُعد الفنان التشكيلي السعودي علي سليمان السليماني قامة إبداعية فريدة في توثيق التراث الحجازي وإحيائه عبر المجسمات ثلاثية الأبعاد. لم يكن التراث بالنسبة له مصدر إلهام عابر، بل تحول إلى هوية بصرية ورسالة فنية قام عليها مشروعه بالكامل.
جاء تحوله من الهواية إلى التوثيق التاريخي بعد تقاعده المبكر من تدريس التربية الفنية لمدة 32 عاماً، حيث منحته هذه الخطوة الوقت الكافي ليتفرغ لمشروع ضخم يقوم على آلاف الساعات من العمل الدقيق. واستند في ذلك إلى خلفيته الأكاديمية من جامعة أم القرى التي أكسبته فهماً علمياً للنسب والمنظور والخامات، فتحول عمله من مجرد شغف إلى مرجع بصري تاريخي.
يركز السليماني على أدق تفاصيل العمارة الحجازية، خاصة الرواشين والمشربيات والأبواب العتيقة، مستخدماً تقنيات نحت وحفر دقيقة تحاكي الواقع. لكنه تجاوز محاكاة الجدران الصامتة إلى إعادة إحياء الحياة اليومية، فدمج في مجسماته تفاصيل البرحات والفوانيس والدكاكين والشخصيات الشعبية، ليقدم “سرداً بصرياً متكاملاً” وليس مجرد نموذج هندسي.
لقد نجح في تقديم “المعاصرة التراثية” من خلال لغة بصرية معاصرة تخاطب جيل اليوم، فصارت أعماله جسراً بين الأجيال و”متحفاً متنقلاً” يشارك في المحافل الوطنية. إنها ذاكرة حية تحفظ ملامح الوطن من النسيان، وتؤكد أن الفن قادر على أن يقول للأجيال القادمة: هنا كانت بيوت، وهنا عاش أناس، وهنا كانت هوية.
علي سليمان السليماني: نحات الذاكرة الحجازية


