الرئيسيةمقالاتعندما تُعاد هندسة الشرق بالنار
مقالات

عندما تُعاد هندسة الشرق بالنار

عندما تُعاد هندسة الشرق بالنار

كتب ضاحى عمار

 

تتقدّمُ المنطقة نحو أخطر لحظةٍ في تاريخها الحديث، لا لأن الصواريخ تتساقط فقط، بل لأن خرائط النفوذ نفسها تُعاد كتابتها فوق رمال الخليج وممرات الطاقة وخرائط الاقتصاد العالمي. فالصراع الدائر بين واشنطن وطهران لم يعد مجرد مواجهة سياسية أو عسكرية تقليدية، بل تحوّل إلى معركة مفتوحة لإعادة توزيع القوة الدولية، تتداخل فيها المصالح الكبرى، وتتشابك فيها حسابات النفط والمضائق والتحالفات، بينما يقف العالم مترقبًا ما ستنتهي إليه معادلة الردع والانفجار.

 

في قلب هذه الفوضى، تبدو الولايات المتحدة وكأنها تخوض معركة الحفاظ على مركز القيادة العالمية، بعدما أدركت أن العالم لم يعد كما كان بعد الحرب الباردة، وأن القوى الصاعدة لم تعد مجرد اقتصادات نامية، بل أصبحت مشاريع نفوذ كاملة تسعى لتقاسم القرار الدولي. ولهذا لم تعد واشنطن تتحرك بمنطق الاحتواء فقط، وإنما بمنطق إعادة رسم المجال الحيوي حول خصومها، بدءًا من بحر الصين، وصولًا إلى الخليج ومضيق هرمز.

 

ويرى المستشار السياسى والقانوني سمير عليوة أن ما يحدث في المنطقة يتجاوز حدود المواجهة التقليدية بين الولايات المتحدة وإيران، موضحًا أن العالم يعيش حاليًا مرحلة انتقال قاسية من نظام القطب الواحد إلى نظام متعدد الأقطاب، لكن هذا الانتقال لا يتم عبر التفاهمات السياسية الهادئة، وإنما عبر صراعات استنزاف وإعادة تموضع. ويضيف أن واشنطن تدرك أن فقدان السيطرة على ممرات الطاقة يعني بداية التراجع الحقيقي لنفوذها العالمي، لذلك تتحرك بمنطق استباقي يمنع القوى المنافسة من تثبيت نفوذ دائم في المنطقة.

 

ولا تبدو الصين بعيدة عن هذا المشهد، لكنها تتحرك بحذرٍ شديد، فبكين التي بنت إمبراطوريتها الاقتصادية على الاستقرار والتجارة والطاقة، تجد نفسها أمام معادلة معقدة؛ إذ لا تستطيع التخلي عن إيران كشريك استراتيجي مهم، وفي الوقت نفسه لا تملك رفاهية خسارة أسواق الخليج أو الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. لذلك تتبع سياسة “الظل الهادئ”، حيث تراقب التوازنات دون اندفاع، وتستثمر في الوقت بدلًا من الانفجار.

 

أما روسيا، التي تخوض أصلًا حرب استنزاف طويلة في أوكرانيا، فتتعامل مع التصعيد في الشرق الأوسط باعتباره فرصة لإرباك الغرب وتشتيت الضغط العسكري والاقتصادي عنها، لكنها تدرك أيضًا أن انفجار المنطقة بالكامل قد يهدد مصالحها النفطية ويقود إلى فوضى لا يمكن السيطرة عليها، خصوصًا إذا تعطلت حركة التجارة العالمية وارتفعت احتمالات المواجهة البحرية الكبرى.

 

وتؤكد المحللة السياسية رشا فتحي أن المشهد الحالي يعكس حالة سيولة دولية غير مسبوقة، موضحة أن العالم لم يعد محكومًا بتحالفات ثابتة، بل بتحالفات متحركة تتغير وفق المصالح والضغوط الاقتصادية. وتشير إلى أن أخطر ما في الأزمة الحالية هو أنها تدفع الجميع نحو حافة الهاوية دون أن يمتلك أي طرف القدرة الكاملة على الحسم، وهو ما يفسر استمرار حالة اللاحرب واللاسلم التي تسيطر على المنطقة.

 

وتلفت إلى أن المنطقة العربية أصبحت ساحة اختبار مفتوحة للمشروعات الدولية الكبرى، فكل قوة تحاول تأمين مستقبلها عبر الشرق الأوسط، سواء من خلال الطاقة أو الممرات البحرية أو التحالفات الأمنية، وهو ما يجعل أي اشتعال واسع النطاق قادرًا على إعادة تشكيل العالم اقتصاديًا وسياسيًا خلال سنوات قليلة.

 

وفي الداخل الإيراني، لا يبدو النظام مستعدًا للتراجع بسهولة. فطهران تنظر إلى أي تنازل باعتباره بداية النهاية، ولذلك تتعامل مع الضغوط الأمريكية بمنطق المعركة الوجودية، لا بمنطق المناورة السياسية العابرة. ولهذا تحاول رفع سقف التحدي باستمرار، سواء عبر التهديد بإغلاق مضيق هرمز أو عبر توسيع نفوذها الإقليمي، في رسالة واضحة مفادها أن سقوطها لن يكون حدثًا محليًا، بل زلزالًا يهز المنطقة كلها.

 

لكن المفارقة الأخطر أن الجميع يدفع الثمن، بينما لا أحد يملك رفاهية الانسحاب. أوروبا تخشى انهيار اقتصادها إذا انفجرت خطوط الطاقة، والصين تخاف على شرايين تجارتها، وروسيا تسعى لاستثمار الفوضى دون الغرق فيها، أما الدول العربية فتقف أمام لحظة تاريخية شديدة التعقيد، لأنها الأكثر تأثرًا بنتائج أي صدام شامل.

 

ومع اتساع هذا المشهد المضطرب، تتراجع الشعارات القديمة حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، لتحل محلها لغة المصالح الصلبة والأمن الاقتصادي والتحكم في الموارد. فالعالم الذي كان يتحدث عن القيم، بات يتحدث الآن عن خطوط الغاز وأسعار النفط وسلاسل الإمداد وحماية الممرات البحرية.

 

وفي ظل هذا التحول، لم تعد المنطقة تعيش أزمة عابرة، بل تدخل مرحلة إعادة تشكيل كاملة، حيث تتغير خرائط النفوذ، وتُختبر قوة التحالفات، وتُقاس الدول بقدرتها على الصمود لا بالشعارات التي ترفعها. وبينما تستمر حالة الترقب، يبقى السؤال الأخطر معلقًا فوق المنطقة كلها: هل تنجح القوى الكبرى في إدارة الصراع دون انفجار شامل، أم أن الشرق الأوسط يقف بالفعل على أعتاب لحظة تعيد تشكيل النظام العالمي بالنار؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *