بقلم: عبد المجيد عبوبي
لم تكن “اقْرَأْ” مجرد أمر إلهي بأداء فعلٍ مادي، بل كانت الشرارة التأسيسية التي فتحت باب الحضارة الإسلامية، ونقلت مجتمعاً أُمياً من الهامش التاريخي إلى مركز الفعل الحضاري والعمراني. إن القراءة بمفهومها الشامل هي مفهوم مركّب؛ فهي فعل نفسي يبني الوعي الذاتي، وسلوك اجتماعي يحدد هُوية الجماعة، وشرط تاريخي يقرر مصير الأمم. فحين تملك الأمة ثقافة القراءة العميقة، تملك القدرة على تفكيك العالم وإعادة بنائه.
وفي هذا السياق السوسيولوجي، تُزرع القراءة في البيوت وتتحول إلى عادة راسخة قبل أن تصبح منهجاً مدرسيّاً. غير أن هذا البناء الحضاري شهد هزات عميقة حين تخلت الدولة عن دورها في حماية الكتاب ورعايته؛ حيث تحولت المعارض الثقافية من منصات لإنتاج الفكر والترجمة إلى مظاهر تجارية تُباع فيها الكتب بالصنادق، ليتحول الكتاب إلى سلعة فاخرة يقتنيها الميسورون، ويُحرم منها عامة الناس، مما أدى إلى انحسار الأدب والفلسفة لصالح السطحية.
لقد أثبت التاريخ أن قوة الثقافة ترتبط بفضاءاتها المفتوحة؛ فقد كانت بؤر المعرفة الشعبية — كشارع المتنبي في بغداد، وسوق البحيرة في الدار البيضاء، وسور الأزباكية في القاهرة — شرياناً يغذي الروح الجماعية ويصنع حراكاً فكرياً يجمع كافة الطبقات. لم تكن هذه الأماكن مجرد أسواق لبيع الورق المستعمل، بل كانت مجتمعات مصغرة تعكس رفاهية المعرفة وإتاحتها للجميع.
أما اليوم، فإن المشكلة لا تكمن في انقطاع الناس عن القراءة كلياً؛ إذ تشير الإحصاءات إلى أن المواطن العربي يُمضي عشرات الساعات سنوياً في القراءة. لكن الخلل يكمن في نوعية السلوك القِرائي؛ حيث تحولت القراءة من فعل نُهوضي وفكري يُحلل النصوص العميقة إلى استهلاك سريع ومقتضب عبر الشاشات ومواقع التواصل.
إن التطور الرقمي لم يلغِ القراءة، لكنه سلبها عمقها النفسي والحضاري؛ حيث تراجعت سلطة المفكر والأديب لصالح المؤثر وصانع المحتوى الرقمي. وأصبح إنسان العصر يكتفي بالخلاصات السريعة والتسجيلات الصوتية. ولن يستعيد العقل العربي فاعليته الحضارية إلا بإعادة الاعتبار لروحيّة “اقْرَأْ” الأولى: القراءة التي تبني العقل، وتغير السلوك، وتصنع التاريخ، لا القراءة التي تُستهلك لقتل الوقت.
في سوسيولوجيا الوعي: من “اقْرَأْ” التأسيسية إلى انكسار الفعل الحضاري

