تكشف مسودة الاتفاق التي نشرتها وسائل إعلام إيرانية عن تحرك جديد محتمل في مشهد الشرق الأوسط لا يقوم على منطق الصراع التقليدي فقط بل على احتمالات إعادة تشكيل العلاقات الإقليمية وفق تفاهمات أوسع تمتد إلى الأمن والطاقة والاقتصاد والملاحة البحرية
تظهر الوثيقة أن الملف النووي ليس هو المحور الوحيد بل يبدو جزءا من منظومة أوسع لإعادة ترتيب الإقليم بما يشمل إعادة توزيع الأدوار الإقليمية وتحديد شكل العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران خلال المرحلة المقبلة
وتشير البنود المسربة إلى تحول محتمل في الرؤية الأمريكية من سياسة الاحتواء إلى محاولة دمج إيران داخل نظام إقليمي جديد بدلا من إبقائها في حالة العزلة والضغط المستمر
وفي المقابل تعكس المطالب الإيرانية انتقالا واضحا نحو خطاب الدولة الذي يركز على رفع العقوبات واستعادة الأموال وتعزيز الاقتصاد وإعادة الإعمار وهو ما يعكس تحولا في الأولويات من الشعارات السياسية إلى متطلبات الاستقرار الاقتصادي
كما تبرز الأرقام المطروحة الخاصة بإعادة الإعمار والتي تصل إلى مئات المليارات مؤشرا على أن النقاش لم يعد يقتصر على الملف النووي بل يتجه نحو مشروع شامل لإعادة تأهيل الاقتصاد الإيراني وإعادة دمجه في النظام المالي العالمي
ويظهر في الوثيقة أيضا مطلب الإفراج عن الأصول المجمدة كإشارة إلى أزمة ثقة عميقة بين الطرفين ومحاولة إيرانية للحصول على ضمانات عملية قبل الدخول في أي التزامات نهائية
كما يشير التركيز على قطاعي النفط والتمويل إلى أن الاقتصاد أصبح محور الأمن القومي الإيراني وأن أي تسوية مستقبلية ستبنى على هذا الأساس
وتتضمن المسودة أيضا مؤشرات على إعادة تعريف طبيعة الصراع عبر الفصل بين الملفات النووية والملفات الإقليمية في محاولة لتسهيل الوصول إلى اتفاق تدريجي قابل للتطبيق
كما يعكس بند السيادة وعدم التدخل تحولا في التفكير من محاولة تغيير الأنظمة إلى التأثير في السلوك السياسي الخارجي وهو ما يمثل نقلة في فلسفة إدارة الصراع
وتشير البنود المتعلقة بالملاحة في مضيق هرمز والوجود العسكري إلى إعادة صياغة محتملة لمعادلات النفوذ في الخليج والمنطقة بما ينعكس على أسواق الطاقة والتجارة العالمية
كما توحي آلية الإشراف الدولية المقترحة بمحاولة تحويل الاتفاق إلى إطار مؤسسي طويل الأمد يخضع لرقابة دولية ويصعب التراجع عنه بسهولة
وفي حال تطبيق هذا التصور فإننا أمام تحول أوسع من مجرد اتفاق ثنائي إلى إعادة تشكيل محتملة للنظام الإقليمي في الشرق الأوسط بحيث تصبح المصالح الاقتصادية والربط المالي والتجاري أدوات رئيسية في إدارة العلاقات بدلا من الصدام العسكري المباشر

ويظل السؤال مفتوحا حول مدى استعداد الطرفين للانتقال من منطق المواجهة إلى منطق الشراكة المشروطة وما إذا كان هذا المسار قابلا للاستمرار في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي والدولي
وفي النهاية فإن أهمية هذه التسريبات لا تكمن فقط في تفاصيلها بل في كونها تفتح بابا لاحتمال مرحلة جديدة عنوانها إعادة هندسة التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط
قراءة في وثيقة الاتفاق الأمريكي الإيراني
كتب المحلل السياسي محمد محسن
المراجعة والصياغة
محمد سعيد الحداد
عهود حسن البيومي
المغيرة بكري
جريدة موطني الإخبارية المحلية والدولية

