المقالات

قراءة للناقد الأديب أ. صابر الجنزوري فى نص غياهب ممزقة

قراءة للناقد الأديب أ. صابر الجنزوري فى نص

غياهب ممزقة

للأديبة أ/ نجلاء محجوب

في المقهى العتيق أجلس وحيدًا أرتشف الوقت وأرسم من الفراغ دوائرا، وأصنع من ملامح العابرين صديقًا أثرثر معه في اللاشيء، أسفل قدمي صحيفة ممزقة مكتوب عليها سيفنى العالم بعد حفنة من الوقت

و نعيّا عليه صورتي!

يبدو أنني ميت منذ عشرين عامًا؟ إنتفضت واقفًا، تحدث معي عجوز مر سريعًا ولم أسمع منه سوى لا يوجد بالمدينة إلا أشباحًا و جدار الزمن، أسرع ربما تجد مكانًا فارغًا فيه، الآن فهمت لماذا جيب معطفي مخبأ به ليل كان آمن منذ سنوات.

سحقًا أين أنا؟

أنظر في ملامح المارة، ملامح ممحية، أمزق رجفة مسافر في ليلة شتاء باردة، أرتجف ، أسقط في غفوة، ثم استيقظ على دخان النارجيلة الذى يتطاير قاصدًا إغتيالي وضحكة رقيعة من امرأة يبدو أنها عاهرة مرت أمام المقهى الفارغ إلا مني، اقتربت كاقتراب عقرب ينوي إغوائي، ابتسمت ابتسامة الدنيا الساخرة من مريض يحتضر، اقتربت وسألتني أين مندي يا مرقص؟ أجبتها : أتعرفيني؟

قالت ومن لا يعرفك؟

أنت إبن اللحظة والسراب في زمن الخوف.

سقط منها منديلا أزرق ، اقتربت نحو الأرض لتلتقطه ،ابتلعها ساقي، أصبحت في زحام ينتظر العبور داخل كبوة بينما العجوز يبتسم لي ويموء برأسه، فأشيب مثله في لحظة. يصبح المنتظرون جميعهم نفس الملامح ..

فجأة أخرج أحدهما منجلا واغتال الوقت فسقطنا جميعًا في جيب زمن فارغ يلوكنا كعلكة تحت أنيابه.

نجلاء محجوب

القراءة

غياهب ممزقة :

النص يفرض نفسه على القاريء فلا يستطيع فهمه إلا إذا وصل لنهايته وربما أعدنا القراءة مرة ومرتين حتى نفك شفرات الفكرة وماذا أرادت الكاتبة أن تقول ؟

وحتى نفهم النص الأدبي الذى حمل عنوان الغياهب الممزقة فعلينا أن نضع أيدينا على عناصر القص فيه مثل العنوان ودلالته والشخوص التى تناولها النص والزمان والمكان فى النص والسرد ولغته ثم حبكة النص وكل ذلك يصل بنا فى النهاية للسؤال:

ماذا يقول النص ؟

غياهب ممزقة ..

الغياهب هي الظلمة الشديدة

فلنا أن نتخيل أننا أمام ظلمة شديدة وتلك الظلمة ممزقة وكأن طبقاتها قد انفصلت عن بعضها.

المكان : مقهى عتيق

الزمان : الماضي والحاضر والمستقبل ” الزمن الهيولي”؟!

الشخوص : مندي ،مرقص ورجل عجوز وسيدة..

الفكرة والهدف : فلسفة الزمن والموت والحياة!

النص يعتمد على فكرة الزمن الهيولي التى تكلم فيها أرسطو وهي أن المادة هي جوهر وأساس الأشياء ومنها تتكون الكائنات فى صور شتى

وتظهر فى مظاهر عديدة حسب الصورة التى تتخذها…فهل نحن مجرد صور لنفس المادة والصور التى كانت فى عالم آخر ؟

لذلك نرى فى البداية بطل النص يقرأ نعيه فى صحيفة ممزقة ويقرأ أن العالم سيفنى بعد حفنة من الوقت… ثم يقول : يبدو أننى ميت منذ عشرين عاما ؟!

فى هذه الجملة دلالة الهيولي والصورة العائدة من الموت للبطل مرقص ” الصورة “

أو مندي ” الأصل” الذى نجده يجلس فى 

“المقهى العتيق” الذى قد تكون دلالته ورمزيته تدل على الحياة والدنيا والكون ..

ثم تظهر المرأة فى الصورة والتى شبهتها الكاتبة بالعقرب الذى ينوى غواية “مرقص”…فنتذكر الخطيئة الأولى والغواية والشيطان فتقسو الكاتبة على المرأة حتى تشبهها بالدنيا التى تسخر من مريض يحتضر فالمرأة فى النص رمزية لفكرة الغواية ورمزية للدنيا ورمزية للخطيئة.

تسأل : أين مندي يا مرقص؟

يجيب : أتعرفيني؟

تقول : أنت ابن اللحظة والسراب وزمن الخوف ..

ولاب هنا أن نتحفظ ونسأل فهل يكون للأسماء دلالة ومعنى فما المقصود من مندى ومرقص وهل هى أسماء تم اختيارها عشوائيا أم لها دلالة ومعنى؟

نجد العجوز يبتسم ونجد مرقص يصبح مثل العجوز فيشيب مثله ويصبح الجميع صورا تشبه بعضها ومرقص صورة لمندى ويتوه الجميع فى الزحام بنفس الملامح …

ينتهى النص برمزية تشير للتمرد بأن يريد أحدهما قتل الوقت أو الزمن لكننا نكتشف أننا جميعا نقبع فى جيب صغير فارغ للزمن ؟!

وأن الزمن يلوكنا كعلكة تحت أنيابه.

النص رائع فيه رمزية وفلسفة الزمن الهيولي وفلسفة الموت فى الغياهب الممزقة وفلسفة الدنيا الساخرة والخطيئة والغواية ثم تتلخص حكمته أن الزمن هو الأقوى

وأنه يلوكنا كعلكة بين أنيابه.

كل التحايا لأستاذة نجلاء محجوب

على هذا النص الذى يجعل المتلقى يفكر كثيرا كي يفك شفرته ويحلل كلماته وفقراته ليصل إلى الفكرة القابلة فى النهاية للتأويل.

صابر الجنزوري

قراءة للناقد الأديب أ. صابر الجنزوري فى نصغياهب ممزقة
قراءة للناقد الأديب أ. صابر الجنزوري فى نص
غياهب ممزقة

 

اكمل القراءة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار