الرئيسيةمراه ومنوعاتكالعُودِ… أزدادُ عطرًا كلما اشتدت النار
مراه ومنوعات

كالعُودِ… أزدادُ عطرًا كلما اشتدت النار

كالعُودِ… أزدادُ عطرًا كلما اشتدت النار

سوالف : أم عبدالوهاب

 

كالعُودِ… أزدادُ عطرًا كلما اشتدت النار
في الحياة، لا يخلو طريق الإنسان من مواقف تختبر صبره، ولا من أشخاص يظنون أن الإساءة قوة، وأن ارتفاع الصوت انتصار. وقد يخاطبك السفيه بجهل، منتظرًا منك ردًا يفتح أبوابًا من الجدل، لكن الحكمة ليست في أن ترد على كل كلمة، بل في أن تعرف متى يكون الصمت أبلغ من الكلام.
إذا خاطبني السفيهُ بجهلٍ
ظنَّ أني لهُ مُجيبُ
فأُعرضُ عنهُ بحلمٍ
وأُغلقُ بابَ الردِّ العجيبِ

قد يظن البعض أن الصمت ضعف، وأن الحلم عجز، بينما الحقيقة أن أعظم القوة أن تملك نفسك وأنت قادر على الرد.
وليس اي رد بل قولا وفعلا (والضرب بيد من حديد)
فليس كل كلام يستحق جوابًا، ولا كل معركة تستحق أن نخوضها.

وهنا يأتي العود رمزًا للإنسان الذي يحوّل المحنة إلى عطر؛ فهو لا يفوح طيبًا إلا حين تمسه النار، وكأن احتراقه هو لحظة ظهور جماله.

أنا كالعُودِ إن احترقَ ازدانَ طيبًا
وإن اشتعلَ حولي الغضبُ
فعبيري لا يغيبُ

وهكذا الإنسان الأصيل؛ لا تسمح له الإساءة أن يصبح نسخة ممن أساء إليه، ولا تجعل المحن قلبه أكثر قسوة. بل يخرج منها أكثر حكمة، وأشد ثباتًا، وأنقى روحًا.

ليس كلُّ صمتٍ استسلاماً ولا كلُّ ردٍّ فوزًا،
فكم من ساكتٍ نالَ رفعةً،
وكم من مجيبٍ خسرَ النصيب.

دع السفيه في ضجيجه؛ فارتفاع الصوت لا يصنع حقًا، والجدال لا يمنح الجهل حكمة. ومن عرف قيمة نفسه، لم يهدر عمره في الرد على الصغائر، ولم يجعل من كل عابر قضية.

ازرع الكلمة الطيبة، لانها صادقة تُنير قلبًا لم يعرف النور. ولا تنتظر من الناس مدحًا أو اعتذارًا، فـمن أرضى ضميره، لم يحتج إلى تصفيق الآخرين.

وإذا أساء إليك أحد، فابتعد إن كان البعد حكمة، واصمت إن كان الصمت أكرم، وسامح إن استطعت، لكن لا تحمل الإساءة في قلبك طويلًا.

فالأشجار العالية لا تنحني لكل ريح، والقمم لا تنزل إلى مستوى من يرميها بالحجارة.

وفي النهاية، ليست عظمتنا في قدرتنا على الرد، وإنما في قدرتنا على ألا نصبح مثل من أساء إلينا.

كن كالعُود… إن اشتدت عليك النار، ازدد عطرًا؛ وإن أثقلتك الحياة، ازدد حكمة؛ وإن أساؤوا إليك، فامضِ محتفظًا بنقائك.

فأجمل انتصار أن تخرج من الإساءة دون أن تفقد نفسك، وأن تترك خلفك أثرًا طيبًا، بدل أن تترك دخانًا.

وسيظل أجمل انتصار للإنسان أن يمضي في طريقه مطمئنًا، لا يحمل حقدًا، ولا يطلب انتقامًا، ولا يلتفت إلى الوراء.

يمضي… وقد ترك خلفه كل ما لا يشبهه، محتفظًا بشيء واحد لا يستطيع أحد أن ينتزعه منه:

نقاء روحه… وعطر أثره.

كالعُودِ… أزدادُ عطرًا كلما اشتدت النار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *