الرئيسيةثقافةكورال “نجوم الفن”…وفاء للطرب الأصيل  تحقيق/الكاتبة سعاد ثقيف
ثقافة

كورال “نجوم الفن”…وفاء للطرب الأصيل  تحقيق/الكاتبة سعاد ثقيف

كورال “نجوم الفن”…وفاء للطرب الأصيل 

تحقيق/الكاتبة سعاد ثقيف

 في خضم هيمنة الأغنية الاستهلاكية ، اختار فنان موهوب أن يؤسس مشروعا يراهن على إعادة الاعتبار للأغنية الطربية، ويحمل في الآن ذاته رسالة ثقافية وتربوية. إنه الفنان المؤطر لكورال “نجوم الفن” الذي استند إلى قناعة مفادها أن الفن الأصيل لا يشيخ، وأن الذاكرة الموسيقية العربية تستحق أن تجد من يصونها ويقدمها للأجيال الجديدة

  يحدثنا السيد محمد الهيداني مؤسس الكورال “نجوم الفن في الحوار التالي “عن ظروف نشأة هذا الكورال وأبرز رهاناته المستقبلية.

*يبدو أن تأسيس الكورال لم يكن قرارا عابرا، بل جاء نتيجة تجربة خاصة… كيف بدأت الحكاية؟

 

في الحقيقة، لم تكن لدينا خطة مسبقة لتأسيس كورال جديد، لكن بعض المواقف التي عشناها داخل إحدى التجارب الفنية جعلتنا نعيد التفكير في معنى العمل الجماعي. شعرنا، أنا والأستاذة إلهام صدقي، بأن الفنان لا يستطيع الإبداع إلا داخل فضاء تحكمه الأخلاق والاحترام المتبادل. ومن هنا ولدت فكرة تأسيس كورال يجمع عشاق الموسيقى والطرب في إطار قوامه التعاون والإيمان بالفن الراقي. كانت البداية بسيطة، لكنها سرعان ما تحولت إلى مشروع يحمل هوية واضحة وطموحا كبيرا.

*ما الرؤية التي انطلق منها هذا المشروع؟

 

بالنسبة إلي، لم يكن الكورال مجرد فكرة طارئة، بل حلم رافقني لأكثر من عشرين عاما. كنت أطمح إلى تأسيس مجموعة تعيد الاعتبار للغناء الجماعي الراقي، وتقدم الأغنية العربية بأسلوب يحترم أصالتها. صحيح أن البداية لم تكن سهلة، خاصة في ما يتعلق بالعثور على أصوات تمتلك الإمكانات المطلوبة، لكن الحماس والإصرار وروح الفريق مكنتنا من تجاوز تلك المرحلة. كما لا يمكن إغفال الدور الكبير الذي قامت به الأستاذة إلهام صدقي، التي كانت شريكا حقيقيا في صياغة رؤية الكورال وتطويرها.

 

* ما الذي يميز “نجوم الفن” عن غيره من الكورالات؟

 

نحن لا نبحث عن تكرار ما هو موجود، بل نسعى إلى بناء شخصية فنية خاصة بنا. لذلك نختار أعمالنا بعناية، ونحرص على أن يكون لكل عرض بصمته الخاصة. حتى شعار الكورال جاء نتيجة تفكير جماعي، حيث جمعنا بين أعمال خالدة لعبد الوهاب الدكالي، وأم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب، في رسالة تؤكد أن الطرب المغربي والمشرقي ينتميان إلى فضاء فني واحد، وأن الموسيقى لغة تتجاوز الحدود.

 

* كيف توفقون بين الحفاظ على أصالة الأغنية ومواكبة الذوق المعاصر؟

 

نحن نؤمن بأن الأصالة لا تعني الجمود. لذلك نحافظ على روح العمل الموسيقي وهويته، لأن احترام النص واللحن هو احترام للمبدع نفسه، وفي المقابل نوظف بعض التقنيات الحديثة في التوزيع والأداء بما يمنح الأغنية نفسًا جديدًا، دون أن يفقدها قيمتها الفنية أو يشوه ملامحها الأصلية.

 

*هناك من يعتقد أن الأغنية الطربية لم تعد قادرة على استقطاب الشباب… ما رأيكم؟

 

لا أتفق مع هذا الرأي. فالتراث الحقيقي لا يفقد بريقه. وفي كل حفلاتنا نلاحظ حضورًا لافتًا للشباب والأطفال، وهم يحفظون كلمات الأغاني ويتفاعلون معها بصورة تلقائية. وهذا دليل على أن الأغنية الأصيلة ما تزال تعيش داخل الوجدان العربي، وأن الأسرة ما زالت تؤدي دورا مهما في نقل هذا الموروث من جيل إلى آخر.

 

*ما أبرز التحديات التي واجهتكم في هذه التجربة؟

 

كل مشروع ثقافي يولد وسط تحديات، سواء كانت مادية أو تنظيمية أو حتى بشرية. واجهنا صعوبات كثيرة، لكننا تعاملنا معها باعتبارها فرصة لاختبار قوة الفكرة وصلابة الفريق. وقد تحملت الأستاذة إلهام صدقي مسؤوليات كبيرة في الجوانب التنظيمية والإدارية، وكان لذلك أثر بالغ في استمرارية المشروع.

 

*كيف يتم اختيار أعضاء الكورال؟

 

في البداية كنا نرحب بكل من يمتلك الرغبة في الغناء، أما اليوم فقد أصبحنا نعتمد معايير أكثر دقة، تقوم على جودة الخامة الصوتية، والقدرة على الانسجام داخل الأداء الجماعي، إضافة إلى الالتزام بروح الفريق، لأن نجاح الكورال لا يصنعه الصوت الجميل وحده، بل تصنعه أيضا ثقافة العمل الجماعي.

 

* إلى أي حد يسهم الكورال في حفظ الذاكرة الموسيقية العربية؟

 

أعتقد أن هذه واحدة من أهم رسائلنا. نحن لا نعيد أداء الأغاني القديمة بدافع الحنين فقط، وإنما لإعادة تقديمها للأجيال الجديدة في قالب يحافظ على أصالتها ويقربها من الذائقة المعاصرة. فحماية الذاكرة الموسيقية مسؤولية جماعية، والكورالات تؤدي دورًا مهمًا في هذا المجال.

 

* ما أكثر الأعمال التي تطلبت منكم جهدا مضاعفا؟

 

واجهتنا تحديات في أكثر من عمل، خاصة في الأغاني التي تقوم على البناء الجماعي وتعدد الطبقات الصوتية، مثل “أنشودة الفن” لمحمد عبد الوهاب، و**”القلب يعشق كل جميل”، و”اعتزلت الغرام”**. هذه الأعمال تحتاج إلى دقة كبيرة في توزيع الأصوات وتحقيق الانسجام الكامل بينها، وهو ما يتطلب تدريبات مكثفة وصبرًا طويلًا.

 

* أخيرا… هل يحمل “نجوم الفن” رسالة تتجاوز حدود الموسيقى؟

 

بالتأكيد. نحن نؤمن بأن الفن رسالة قبل أن يكون عرضا فوق الخشبة. لذلك يتضمن مشروعنا تنظيم مبادرات توعوية لفائدة المجتمع، والمساهمة في التربية الفنية للأطفال واليافعين، وترسيخ قيم الجمال والعمل الجماعي، لأن الموسيقى ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل قوة تربوية وثقافية قادرة على بناء الإنسان وصناعة الأمل.

سيظل كورال “نجوم الفن” وفيا لرسالته في إحياء التراث الموسيقي العربي والمحافظة عليه، مع الانفتاح على كل ما يثري التجربة الفنية. 

  يواصل سي محمد الهيداني رفقة أعضاء الكورال، بناء تجربة فنية تراهن على الوفاء للأغنية العربية الأصيلة، وعلى جعلها أكثر قربا من وجدان الأجيال الجديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *