الرئيسيةاخبار” ليس الفتى الذي قال : قد كان أبي … بل ها أنا ذا ” 
اخبار

” ليس الفتى الذي قال : قد كان أبي … بل ها أنا ذا ” 

" ليس الفتى الذي قال : قد كان أبي ... بل ها أنا ذا " 

” ليس الفتى الذي قال : قد كان أبي … بل ها أنا ذا ” 

هنا نابل  بقلم المعز غَنِـي

ليست العظمة ميراثًا يُورَّث ، ولا المجد أسمًا يُستعار ، ولا قيمة الإنسان فيما خلفه الآباء والأجداد ، بل فيما يصنعه بنفسه من أثر ، وما يغرسه في الحياة من خير ، وما يتركه في القلوب من ذكرٍ جميل. 

فلكل إنسان رحلته الخاصة ، ولكل روح بصمتها التي لا يصنعها إلا العمل الصادق والخلق الرفيع .

 

الناس لا تُقاس بالجمال ، ولا تُوزن بالأنساب ، ولا ترتفع بقيمة الأموال ، ولا تُختصر في عدد السنوات التي عاشتها … بل تُقاس بصفاء القلوب ، ونُبل الأخلاق ، ورقيّ الأسلوب ، وأثرها الطيب في أرواح الآخرين .

 

فكم من وجهٍ جميلٍ أخفى وراء إبتسامته قسوةً تُوجع ، وكم من إنسانٍ بسيطٍ لا يملك من الدنيا إلا قلبًا نقيًا ، فإذا مرّ في حياتك ترك فيها أثرًا لا تمحوه السنون .

 

إن القيمة الحقيقية للإنسان لا يصنعها مظهره ، ولا لقبه ، ولا مكانته الإجتماعية ، وإنما تصنعها مواقفه حين يشتد البلاء ، وكلماته حين يكثر الصمت ، ووفاؤه حين تتبدّل الوجوه ، ورحمته حين يقسو الزمان .

 

فالإنسان في هذه الحياة يشبه قلم الرصاص ؛ كلما برته الأيام بالعثرات ، وصقلته التجارب بالآلام ، إزداد قدرةً على كتابة أجمل الحروف ، وأصدق المعاني ، وأعمق الحكم .

 وما الجراح إلا مدارس ، وما الإنكسارأت إلا دروس ، وما المحن إلا أبوابٌ تفتح أمام الأرواح دروب النضج والحكمة .

 

ويظل هذا القلم يكتب … ويكتب … حتى يأتي يومٌ يفنى فيه جسده ، وتجفّ أنفاسه ، فلا يبقى منه إلا ما خطّه من خير ، وما زرعه من محبة ، وما نشره من إبتسامة ، وما تركه من ذكرٍ حسن في قلوب الناس .

 

فالأعمار إلى زوال ، والأموال إلى أنتقال ، والمناصب إلى أفول ، أما الكلمة الطيبة فباقية ، والعمل الصالح خالد ، والأثر الجميل لا يمحوه الزمن .

 

وتستمر الحياة … رغم قسوتها ، ورغم ما تخبئه من مفاجآت ، تستمر بمن فقد عزيزًا ، وبمن أنكسر حلمه ، وبمن خذلته الأيام ، لأنها لا تنتظر أحدًا ، ولا تتوقف عند دمعة ، ولا تجامل إنسانًا مهما كان شأنه .

 

إنها تمضي بنا ، فإن أحسنّا التأقلم معها ، منحتنا القوة ، وإن واجهناها بالصبر ، علمتنا كيف نولد من جديد بعد كل سقوط .

 

أما اليأس ، فليس سوى بابٍ مغلقٍ لا يقود إلا إلى مزيدٍ من الظلام ، بينما الأمل نافذةٌ تتسلل منها أشعة الحياة كل صباح ، لتخبرنا أن الغد قد يحمل ما لم نحلم به بالأمس .

 

ومهما أشتد خريف العمر ، وتعاقبت رياح الفقد والخذلان ، تبقى هناك أوراقٌ أصيلة ، عصيّة على السقوط ، متشبثةٌ بأغصان الوفاء ، لا تغيّرها العواصف ، ولا تقتلعها المحن .

 

هي أرواحٌ آمنت أن القوة ليست في ألا تنكسر ، بل في أن تنهض بعد كل إنكسار ، وأن تبتسم رغم الألم ، وأن تمنح الخير حتى لمن بخل عليها به .

 

ولعل أصدق ما قيل في بناء الإنسان وصناعة مجده ، قول الشاعر:

 

ليس الفتى الذي قال : ” كان أبي

إن الفتى من يقول: ها أنا ذا “

 

فأصنع لنفسك أسمًا ًا يسبق حضورك ، وسيرةً تبقى بعد غيابك ، وأجعل أخلاقك عنوانك ، وأعمالك نسبك ، وإنسانيتك أعظم وسامٍ تتزين به ؛ فالدنيا لا تحفظ أسماء من تفاخروا بغيرهم ، وإنما تخلّد الذين صنعوا مجدهم بأيديهم ، وتركوا خلفهم أثرًا طيبًا يرويه الناس جيلاً بعد جيل .

 

كن جميلَ القلب ، عفيفَ اللسان ، كريمَ الأثر … 

فالدنيا صفحاتٌ تُطوى ، ويبقى منها ما كتبتَه في قلوب الناس ، لا ما جمعته في خزائن الحياة .

 

 مع خالص تحيات المعز غَنِـي 

عاشق الترحال وروح الاكتشاف

” ليس الفتى الذي قال : قد كان أبي … بل ها أنا ذا ” 

" ليس الفتى الذي قال : قد كان أبي ... بل ها أنا ذا " 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *