الرئيسيةمقالاتليس كل صمتٍ جفاء… وليس كل غيابٍ نسيانًا
مقالات

ليس كل صمتٍ جفاء… وليس كل غيابٍ نسيانًا

ليس كل صمتٍ جفاء... وليس كل غيابٍ نسيانًا

بقلم محمد عطا القطيعي

 

من أكثر الأحكام ظلمًا أن نقيس مقدار المحبة بعدد المكالمات، أو نحاكم الإخلاص بعدد الرسائل، أو نزن الوفاء بكثرة اللقاءات. فالحياة ليست صفحةً بيضاء خالية من الانشغالات، وإنما هي ميدانٌ تتزاحم فيه المسؤوليات، وتتقاطع فيه الواجبات، وتتراكم فيه الهموم حتى تكاد تستنفد من الإنسان وقته، وجهده، وطاقته.

كم من قلبٍ يفيض محبةً، لكنه أثقلته الأيام حتى ضاق عن التعبير. وكم من إنسانٍ يحمل لك في داخله أصدق الود، غير أن ظروفه تقيده، وأعباءه تؤخره، ومعاركه الصامتة تستنزف ما بقي فيه من قوة. فهو لا يهملك، وإنما يصارع ما لا تراه، ويقاوم ما لا يخبرك به.

ولعل أجمل ما تسمعه من صديق بعد طول انقطاع قوله: “كنت أنوي الاتصال بك.” وكثيرًا ما تكون هذه الكلمات صادقة، لا مجاملة فيها؛ فالنيات الطيبة كثيرًا ما تعجز عن مجاراة سباق الأيام، فتسبقها الالتزامات، وتؤجلها الظروف، حتى يمضي الوقت دون أن يشعر صاحبها.

لذلك، لا تتعجل في تفسير صمت الآخرين، ولا تجعل سوء الظن أول أبواب الفهم. فليس كل من تأخر في السؤال قد تبدلت مشاعره، وليس كل من غاب قليلًا قد غادر قلبه مكانك. فالمحبة الحقيقية لا تحتاج إلى ضجيجٍ دائم لتثبت وجودها، ولا إلى حضورٍ متواصل لتؤكد صدقها؛ لأنها تسكن القلوب قبل أن تسكن الكلمات.

إن العلاقات العظيمة لا تُبنى على كثرة العتاب، وإنما تُبنى على سعة الصدر، وحسن الظن، وفهم طبيعة الحياة. فالأرواح النبيلة تدرك أن للناس ظروفًا خفية، وأن خلف كل صمتٍ قصة، وخلف كل غيابٍ سببًا قد لا يعلمه إلا الله.

ويكفي الإنسان ثراءً أن يكون في حياته أناسٌ قد لا يسمع أصواتهم كل يوم، لكنه يعلم يقينًا أنهم إذا اشتدت به المحن كانوا أول الحاضرين، وإذا ضاقت عليه الدنيا وسعتهم قلوبهم قبل بيوتهم، وإذا انكسر وجد عندهم السند الذي لا يخذله.

إن المواقف الصادقة هي اللغة التي تتحدث بها القلوب، وهي المقياس الحقيقي للمودة، أما كثرة الرسائل والمجاملات فليست دائمًا دليلًا على عمق المشاعر. فالوفاء يُعرف ساعة الشدة، والإخلاص يُختبر عند الحاجة، والمحبة الصادقة تثبتها الأفعال قبل الأقوال.

فلنمنح من نحبهم مساحةً من العذر، ولنحسن الظن بمن غيبتهم الأيام، ولنتذكر دائمًا أن الإنسان قد ينشغل عن السؤال، لكنه لا ينشغل عن الدعاء، وقد يصمت لسانه، بينما يبقى قلبه عامرًا بالود.ليس كل صمتٍ جفاء... وليس كل غيابٍ نسيانًا

فليس كل من قلَّ سؤاله قد قلَّ اهتمامه، وليس كل من غاب عن العين غاب عن القلب؛ فهناك قلوبٌ تحفظ الود في صمت، وتُخلص في الخفاء، وتبقى أوفى من آلاف الكلمات

————-القطيعى الشريف —————

ليس كل صمتٍ جفاء… وليس كل غيابٍ نسيانًا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *