الرئيسيةمقالاتمتى يجب أن تترك شخصًا في الماضي؟
مقالات

متى يجب أن تترك شخصًا في الماضي؟

متى يجب أن تترك شخصًا في الماضي؟

 

بقلم د. محمد عبد العزيز

السودان

 

ليس تركُ الناس كما يتعجّل البعض في فهمه قسوةً في الطبع، ولا خيانةً للودّ، ولا تنكّرًا لما كان من جميل العهد، بل هو في بعض أحواله ضرورةٌ يفرضها الوعي، ويُقرّها العقل، وتُزكّيها كرامة النفس حين تُدرك أن البقاء لم يعد بقاءً، بل استنزافًا لا ينتهي.

إن الإنسان لا يُقدم على الفراق لأنه يُحبّ الهجر، بل لأنه يُدرك بعد طول تجربة أن بعض القرب أشدّ ألمًا من البعد، وأن بعض العلاقات، وإن بدت قائمةً في ظاهرها، قد انهارت في جوهرها، فلم يبقَ منها إلا صورةٌ تُرهق صاحبها كلما حاول أن يُبقيها حيّة.

وليس أصعب على النفس من أن تعترف بأن ما كان يومًا مصدر دفئها، قد صار موضع تعبها؛ لأن الذكريات تُقاوم هذا الاعتراف، وتُلحّ في البقاء، وتُزيّن الماضي بما فيه من لحظات الصفاء، حتى يكاد الإنسان يُخادع نفسه، فيُمسك بما انقضى، ويُرجئ ما يجب أن يُحسم.

غير أن الحقيقة وإن تأخّرت تفرض نفسها؛ فالعلاقة التي تُفقد فيها الطمأنينة، وتكثر فيها الحيرة، ويغلب فيها الأخذ على العطاء، لا تعود صلةً تُغني، بل عبئًا يُثقل. وهنا، لا يكون السؤال: هل نُحبّ؟ بل: هل نبقى على حساب أنفسنا؟

ومتى صار وجود الآخر سببًا في اضطرابك، لا سكونك، وفي إنقاصك، لا إتمامك، فقد آن لك أن تُعيد النظر؛ لا لأن الآخر سيّئٌ بالضرورة، بل لأن العلاقة في صورتها تلك لم تعد صالحة لك. فليس كل فراقٍ إدانة، ولا كل بقاءٍ وفاء.

ومن دلائل النضج أن يُفرّق الإنسان بين الوفاء الذي يُبقي على الكرامة، والتمسّك الذي يُبدّدها. فالوفاء لا يقتضي أن تُهمل نفسك، ولا أن تُبرّر ما لا يُبرّر، ولا أن تُقيم في علاقةٍ لا تُقيمك. بل إن أصدق الوفاء في بعض الأحيان أن تترك، لأن البقاء قد يُسيء إلى ما كان من جميلٍ في الأصل.

وقد يتأخّر القرار، لا لعدم وضوحه، بل لثقل تبعاته؛ إذ ليس الفراق فقدانًا لشخصٍ فحسب، بل فقدانٌ لعادة، وذكرى، وصورةٍ كانت تسكنك. ومن هنا، يختلط الحزن بالتردّد، ويُظنّ أن الألم دليلٌ على الخطأ، مع أنه في كثيرٍ من الأحيان أثرٌ طبيعيّ لقرارٍ صائب.

وما ينبغي أن يُفهم في هذا المقام، أن ترك شخصٍ في الماضي لا يعني محوه، ولا إنكار ما كان، بل وضعه في موضعه الصحيح: تجربةٌ عُرفت، وأثرٌ بَقِي، ولكنها لم تعد حاضرًا يُعاش. فالماضي لا يُلغى، ولكنه لا يجب أن يُستعاد على حساب الحاضر.

ومن أعظم ما يُعين على هذا الترك، أن يُدرك الإنسان أن قيمته لا تُستمدّ من بقاء الآخرين، وأن فقدان علاقةٍ لا يعني فقدان الذات. فإذا استقرّ هذا المعنى، خفّ التعلّق، وسهل القرار، وصار الفراق انتقالًا، لا انكسارًا.

وهكذا، لا يكون تركُ الناس ضعفًا، بل قد يكون قوة؛ ولا يكون هروبًا، بل رجوعًا إلى النفس؛ ولا يكون نهايةً، بل بدايةً لسلامٍ تأخّر.

وفي هذا السلام لا في التعلّق يكمن النضج.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *