بقلم الدكتور/
خالد عمر محمد العمودى :جدة:-
في رحلة الحياة، يُنفق الإنسان الكثير من جهده ووقتِهِ في تسلّق السلالم الوظيفية والوصول إلى المراتب القيادية؛ نسعى خلف الألقاب، ونستأنس بهيبة المناصب، وربما ننسى في غمرة ذلك أنها مجرد أدوار مؤقتة نؤديها على مسرح الحياة ثم نغادرها.
في حديثٍ عابر جمعني مؤخرًا بأحد الزملاء الأفاضل، سرد لي قصة تحمل في طياتها حكمة بالغة، وأثرًا عميقًا يستحق التوقف عنده والتأمل في معانيه.
-حكاية المفوض في الحديقة :
يقول القصة عن مفوض شرطة متقاعد، اعتاد لسنوات طويلة العيش في منزل حكومي فاخر تُحيط به هيبة السلطة والجاه. وبعد تقاعده، انتقل للعيش في منزله الخاص بأحد الأحياء السكنية، لكنه ظل أسيرًا لماضيه الوظيفي، متشبثًا بمكانته الاجتماعية السابقة.
كان يرتاد الحديقة العامة في الحي كل مساء، يتأمل الجالسين بنظرة استعلاء، ويتجنب الحديث معهم لشعوره بأنهم ليسوا في مستواه.
وفي أحد الأيام، جلس إلى جواره رجلٌ مسنٌ بدت عليه علامات الوقار، وبدأ يتبادل معه أطراف الحديث بودّ. لكن المفوض لم يُعِر كلام الرجل اهتمامًا، بل استغل الموقف كعادته للحديث عن نفسه، وعن منصبه السابق ونفوذه، والاحترام الذي كان يلقاه من الجميع، ثم قال بفخر:
“أنا أعيش هنا في هذا الحي لأنه منزلي الخاص!”
تكرر هذا المشهد لعدة أيام، والمفوض لا يكفّ عن استعراض تاريخه الممتد وهيبته الراحلة.
-حقيقة المصباح المحترق
في أحد الأيام، التفت الرجل المسن إلى المفوض وبهدوءٍ واثق قال له:
“يا سيادة المفوض.. هل تعرف المصباح؟”
“طالما أنه مضيء فهو مهم ويُستضاء به، ولكن عندما يحترق ويتعطل، فلا فرق حينها بين مصباح قدرته 10 واط أو 100 واط.. كلاهما يصبح بلا نور ولا قيمة له.”
ثم أردف الرجل بابتسامة متوازنة:
“أنا أسكن هنا منذ خمس سنوات، ولم أخبر أحدًا قط أنني كنت عضوًا في البرلمان لدورتين متتاليتين!”
تغيّر لون وجه المفوض وشعر بالصدمة، بينما واصل الرجل المسن حديثه وهو يشير إلى الجالسين في أركان الحديقة:
“الرجل الجالس إلى يمينك كان مديرًا عامًا للسكك الحديدية.. والشيخ الذي أمامك كان فريقًا في الجيش.. والذي يجلس في تلك الزاوية كان رئيسًا لمجلس إدارة شركة كبرى.. ومع ذلك، لم يتحدث أيٌّ منهم يومًا عن مناصبه السابقة.”
ثم ختم كلامه بهذه الحقيقة الشاخصة:
“نحن جميعًا هنا — بمن فينا أنت — مصابيح محترقة من الناحية الوظيفية. وعندما ينطفئ التيار، لا فرق بين مفوض الشرطة ورجل الشرطة البسيط. الشمس عند الشروق جميلة، وعند الغروب جميلة أيضًا.. لكن الناس يحيّون شمس الشروق وينسون شمس الغروب؛ هذه هي حقيقة الحياة.”
-درس أحجار الشطرنج والشهادة الأخيرة
إن المناصب، والسلطة، والجاه، والألقاب كلها أمورٌ طارئة ومؤقتة، وليست هي هويتنا الحقيقية. فإذا جعلناها أساس قيمتنا في الحياة، فلنتذكر دائمًا أنها ستنتهي يومًا ما.
وكما في لعبة الشطرنج؛ الملك، والوزير، والفيل، والحصان، والجندي، لكل منهم قيمته وقوته أثناء سير اللعبة، لكن بعد انتهائها، يعود الجميع بلا استثناء إلى الصندوق نفسه.
وفي النهاية، مهما جمعنا في حياتنا من شهادات أكاديمية، وأوسمة تقديرية، وجوائز قيمة، فإن آخر شهادة رسمية نحصل عليها جميعًا هي:
“شهادة الوفاة”
شهادةٌ يحتفظ بها الأبناء أو الأحفاد لفترة من الزمن لأغراض إدارية وتنظيمية فقط.. ثم تُطوى الصُحف.

الأثر الباقي
أما الذي يبقى لنا حقًا بعد انطفاء المصباح، ورحيل الألقاب، وإغلاق صندوق الشطرنج، فهو:
أعمالنا الصالحة
أخلاقنا وحسن تعاملنا
أثرنا الطيب والمبارك بين الناس
ونختم بالتأمل في تلك المقولة الخالدة التي لخصت حكمة العقود والقرون:
“لو دامت لغيرك.. ما وصلت إليك”
وهناك المقولة الاجمل نذكر بها دائما اي من المرؤوسين لو تم تقليده بمنصب ( كم واحد قبلك ؟ و كم واحد بعدك ؟ )
نسأل الله تعالى أن يحسن خاتمتنا، وأن يجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاه.
مصباح محترق وشهادة وفاة
( من وحي حوار مع أحد الأصدقاء )

