مصر المعني الذي لايسقط
كتبت / نعمة حسن
ليست مصر مادةً سهلةً للتشويه. ليست خبرًا عابرًا في شريط مزدحم، ولا لقطةً مبتورة تُنتزع من سياقها ثم تُلقى إلى الناس كأنها الحقيقة كلها. مصر أكبر من أن تُختزل، وأثقل من أن تُعاد صياغتها على أيدي الغاضبين أو الحاقدين أو أولئك الذين لا يرون في الأوطان إلا ما يصلح للتشويه. مصر تُقرأ من متن التاريخ، لا من هامشه. وتُفهم من قدرتها على البقاء حين يتساقط غيرها، لا من ضجيج اللحظة.
ولهذا فإن كل محاولة لتصوير مصر كأنها مجرد ساحة أزمة، أو كأنها دولة قابلة للكسر المعنوي والإعلامي، ليست فقط ظلمًا لوطن كبير، بل خطأ فادح في فهم الجغرافيا والتاريخ معًا. لأن مصر ليست بلدًا عابرًا في هذا الشرق؛ إنها من تلك الدول التي إذا اختلّت، اختلّ ما حولها، وإذا تماسكت، تماسكت معها مساحات من الإقليم كله، ولو على الحد الأدنى من الاتزان.
ومن أراد الدليل فليبدأ من العلمين، لا بوصفها ذكرى عسكرية محفوظة في الكتب، بل بوصفها شهادة دامغة على طبيعة هذا البلد. فقد دارت المعركة الأولى في العلمين من ١ يوليو ١٩٤٢ إلى ٢٧ يوليو ١٩٤٢، ثم جاءت المعركة الثانية من ٢٣ أكتوبر ١٩٤٢ إلى ١١ نوفمبر ١٩٤٢، وتؤكد الموسوعة البريطانية أن الثانية كانت حاسمة وأنها مثّلت بداية النهاية لقوات المحور في شمال أفريقيا، بعد أن اقترب التهديد من مصر نفسها إلى نحو ١٥٠ ميلًا غرب القاهرة. عند هذه النقطة لا يصبح الكلام عن مصر مجرد عاطفة وطنية، بل حديثًا موثقًا عن أرضٍ توقّف عندها زحف الطغيان، وعن بلدٍ لم يكن يومًا ممرًا سهلاً لمن أراد ابتلاع الشرق
ثم تأتي الجغرافيا لتضيف ما قاله التاريخ. فمصر لا تشغل موقعًا مهمًا فحسب، بل تمسك واحدًا من أخطر الشرايين البحرية في العالم: قناة السويس. وتوضح الأونكتاد أن القناة تعاملت في عام ٢٠٢٣ مع ما يقارب ١٢٪ إلى ١٥٪ من التجارة العالمية، فيما أظهرت أيضًا أن اضطرابها ينعكس فورًا على الشحن وسلاسل الإمداد والأسعار عالميًا. هذا ليس امتيازًا جغرافيًا محضًا، بل مسؤولية ثقيلة ومعنى استراتيجي عميق: من يتمنى إضعاف مصر لا يتمنى فقط إضعاف دولة، بل يتمنى أن يمس عقدة اتصال بين القارات والأسواق والطاقة والغذاء.
ومن هنا يُفهم سرُّ استهداف صورة مصر. فالدول الثقيلة تُزعج حتى بمجرد ثباتها. ومصر بالذات ليست مجرد دولة كبيرة عددًا أو تاريخًا، بل دولةٌ يفضح بقاؤها حجم الخراب حولها. يكفي أن يُنظر إلى جوارها المباشر والدوائر العربية القريبة منها لفهم المعنى: ليس من باب الشماتة في أحد، بل من باب إدراك ما الذي يعنيه أن يبقى وطنٌ ممسكًا بدولته في إقليم صار بقاء الدولة فيه إنجازًا نادرًا.
في ليبيا، منذ سقوط نظام معمر القذافي في أكتوبر ٢٠١١، دخلت البلاد سنوات طويلة من الانقسام والفوضى والازدواج المؤسسي والسلاح المنفلت. وخلال ذلك ظل الموقف المصري المعلن يدور حول ثوابت واضحة: دعم وحدة ليبيا، وسيادتها، وسلامة أراضيها، ورفض الفوضى، ودعم المسار السياسي ووقف إطلاق النار. وفي أبريل ٢٠٢٦ جددت القاهرة رسميًا تأكيد دعمها الثابت لاستقرار ليبيا وسيادتها. هذا فارق جوهري بين دولة ترى انهيار الجوار فرصةً، ودولة ترى إنقاذه واجبًا لحماية الإقليم من مزيد من التشظي.
السياق المصري
وفي السودان، حين اندلعت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في ١٥ أبريل ٢٠٢٣، تحركت مصر سياسيًا مبكرًا؛ فقد ذكرت رويترز أن القاهرة أطلقت في ١٣ يوليو ٢٠٢٣ محاولة وساطة جديدة عبر قمة دول الجوار بهدف وقف القتال واحتواء الكارثة الإنسانية. وبعدها بسنوات، ومع دخول الحرب عامها الرابع في أبريل ٢٠٢٦، ظل السودان يُوصف دوليًا بوصفه مسرحًا لإحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. هنا لم يكن المنطق المصري اقتناصًا للفراغ، بل محاولة لتطويق الانهيار في بلد يمثل عمقًا استراتيجيًا مباشرًا لمصر .
وفي غزة وفلسطين، منذ اندلاع الحرب بعد ٧ أكتوبر ٢٠٢٣، لم تكن مصر خارج المشهد بل في قلبه: معبر رفح، إدخال المساعدات، الوساطة، ورفض التهجير. وعندما سيطرت القوات الإسرائيلية على الجانب الفلسطيني من معبر رفح في ٧ مايو ٢٠٢٤، نقلت رويترز في ١١ مايو ٢٠٢٤ أن مصر رفضت التنسيق مع إسرائيل على إدخال المساعدات عبر المعبر بسبب ما وصفته بتصعيد غير مقبول، كما أفادت رويترز في ١٦ مايو ٢٠٢٤ أن القاهرة رفضت مقترحًا إسرائيليًا للتنسيق المشترك بشأن إعادة فتح المعبر. هذا ليس تفصيلًا إجرائيًا، بل تعبير عن موقف يربط بين السيادة والبعد الإنساني والحق الفلسطيني في آنٍ واحد .
وفي سوريا، منذ انفجار الأزمة في مارس ٢٠١١، حافظت القاهرة على خط معلن يقوم على دعم وحدة سوريا وسيادتها والحفاظ على مؤسساتها الوطنية والدفع نحو حل سياسي شامل. وفي ٧ ديسمبر ٢٠٢٥ أعادت الخارجية المصرية التأكيد على هذا الموقف بصورة صريحة. هذا الموقف لا ينطلق من مجاملة دبلوماسية، بل من إدراكٍ مصري عميق بأن تفكيك الدول لا يحررها، بل يفتح أبوابًا واسعة للخراب والتدويل والاقتتال طويل الأمد.
السياق المصري
وفي لبنان، البلد الذي أرهقته أزمات الانهيار المالي والشلل السياسي واهتزاز مؤسسات الدولة، استضافت القاهرة في ٢٤ فبراير ٢٠٢٦ الاجتماع التحضيري للمؤتمر الدولي الداعم للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، وأكد المشاركون دعمهم الكامل للمؤسستين في الظروف الراهنة. كما جددت مصر في اليوم نفسه دعمها لسيادة لبنان وسلامة أراضيه. هذه ليست مجرد دبلوماسية بروتوكولية؛ إنها ترجمة عملية لفكرة مصرية ثابتة: لا بقاء للأوطان العربية إلا ببقاء الدولة ومؤسساتها الشرعية.
السياق المصري
وفي العراق، الذي دخل طورًا مريرًا من التفكك بعد الغزو الأمريكي في مارس ٢٠٠٣ ثم واجه لاحقًا عنفًا طائفيًا وصعود تنظيمات متطرفة وصراعات نفوذ، ظل الخط المصري معلنًا في دعم أمن العراق واستقراره ووحدته. هذا يعكس تصورًا أوسع لدى القاهرة: أن العراق ليس ملفًا بعيدًا، بل أحد أعمدة توازن النظام العربي، وأن سقوطه المستمر لا يخص العراقيين وحدهم بل يرتد على الإقليم كله .
وفي اليمن، منذ سيطرة الحوثيين على صنعاء في سبتمبر ٢٠١٤ واتساع الحرب بعد مارس ٢٠١٥، كررت مصر دعمها لوحدة اليمن وسيادته وسلامة أراضيه؛ وفي ١١ يناير ٢٠٢٦ جدد وزير الخارجية المصري هذا الموقف صراحة. ولم يكن ذلك بعيدًا عن فهم مصري يعتبر اليمن جزءًا من معادلة البحر الأحمر والأمن العربي والممرات الاستراتيجية التي تمس مصر مباشرة .
السياق المصري
هنا يظهر الفارق الساحق بين مصر كما هي، ومصر كما يريد المشوِّهون رسمها. فالدولة التي كلما انهارت دولة عربية قريبة سعت إلى تثبيت فكرة الدولة الوطنية لا إلى الاتجار بانهيارها، ليست دولة صغيرة في معنى وجودها. مصر، في ليبيا والسودان وغزة وسوريا ولبنان والعراق واليمن، لم يكن خطابها العام توزيع الحطام أو اقتسام النفوذ على جثة الجوار، بل دعم السيادة ووحدة الأرض وحماية المؤسسات والجيوش الوطنية النظامية ومنع الفوضى من التحول إلى قدر نهائي.
ثم تأتي القدرة الصلبة لتكمل المعنى. فوفق Global Firepower 2026، احتلت مصر المرتبة التاسعة عشرة عالميًا من أصل ١٤٥ دولة في مؤشر القوة العسكرية. وقد يختلف المتخصصون في قراءة تفاصيل أي تصنيف، لكن الإشارة الأساسية هنا واضحة: مصر ليست دولة رخوة في إقليم قاسٍ، ولا اسمًا بلا سند، ولا كيانًا معلقًا فوق فراغ. إنها دولة تدرك أن البقاء في هذه المنطقة لا تحميه النوايا وحدها، بل المؤسسات والقدرة والانضباط والردع .
مصر المعني الذي لايسقط
السياق المصري
وتأتي الدبلوماسية لتقول الشيء نفسه بلغة أخرى. ففي أبريل ٢٠٢٦، أعلن وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أن القاهرة تعمل مع أطراف إقليمية، بينها باكستان، على إطار يهدف إلى خفض التصعيد ومنع اتساع المواجهة في ملف الولايات المتحدة وإيران. وحتى مع سيولة هذا الملف وتقلبه السريع، فإن الدلالة السياسية ثابتة: مصر لا تُستدعى عند الأزمات بوصفها متفرجًا، بل بوصفها دولة وزنها حاضر حين يُبحث عن التهدئة ومنع الانفجار.
الشرق الأوسط
ومن هنا يصبح الدفاع عن صورة مصر ليس ترفًا خطابيًا، ولا إنكارًا للتحديات، ولا تلميعًا أجوف. بل يصبح دفاعًا عن الوعي نفسه. لأن الفارق هائل بين النقد الشريف الذي يريد إصلاحًا، وبين التشويه الذي يريد اقتلاع الثقة من النفوس، وكسر الهيبة في الوعي، وتصوير وطنٍ بالغ الثقل كأنه مجرد مادة يومية للسخرية أو التحقير أو الشماتة. النقد المسؤول حقٌّ وضرورة. أما تجريد مصر من وزنها، ومن دورها، ومن تاريخها، ومن معنى بقائها، فليس نقدًا؛ بل عدوان رمزي على الحقيقة.
ولهذا لم يكن غريبًا أن يختصر الوجدان المصري المعنى كله في بيت حافظ إبراهيم الذي غنته أم كلثوم في «مصر تتحدث عن نفسها» عام ١٩٥١: «أنا إن قدّر الإله مماتي / لا ترى الشرق يرفع الرأس بعدي». ليس لأنه بيت جميل فقط، بل لأنه التقط ما يعرفه التاريخ قبل الشعر: أن مصر ليست شأنًا محليًا ضيقًا، بل عمود من أعمدة هذا الشرق، واختلالها لا يبقى حبيس حدودها .
فليكتبوا إذن ما شاءوا. وليضخموا ما شاءوا. وليصنعوا من العثرات روايات، ومن الاستثناءات قواعد، ومن الصور المبتورة أحكامًا نهائية. لن يبدل ذلك من الحقيقة شيئًا. مصر ليست لقمةً للفوضى، ولا مادةً سهلةً للتشويه، ولا بلدًا يمكن سحبه من مقامه التاريخي بحملة عابرة. مصر وطنٌ توقّف عند أبوابه الطغيان، ويمر عبره شريان من أهم شرايين العالم، وكلما تهدّم الشرق من حوله بقي هو المعنى الذي لا يسقط.
ابداً لن ينال احداً من مصر ولا صورتها ولا سيرتها لان مصر أتت ثم أتى التاريخ ليحكي عنها .
إنها مصر ياسادة بقائدها الحكيم وجيشها العظيم وشعبها العريق .
فالله خير حافظاً مصر قائداً .. جيشاً .. وشعباً طيب الأعراق .
مع تحياتي ..
مصر المعني الذي لايسقط


