الرئيسية » مصر ليست حكايةً
Uncategorized

مصر ليست حكايةً

مصر ليست حكايةً

مصر ليست حكايةً تُروى… مصر هي التي تروي التاريخ

بقلم: محمد عطا القطيعي
وهناك بلادٌ تقرأ في كتب الحضارات، ثم تطوي الصفحة وتمضي… أما مصر، فإذا فتحتَ كتاب التاريخ وجدتَها بين السطور، وإذا أغلقتَ الكتاب وجدتها في الذاكرة، وإذا سألتَ الزمن عن عمرها، احتار الزمن: أهو الذي عاش في مصر، أم أن مصر هي التي عاش فيها الزمن؟
مصر ليست مجرد دولة… مصر فكرة!
فكرةٌ عمرها آلاف السنين، لم تستطع القرون أن تطفئ نورها، ولم تستطع المحن أن تكسر إرادتها، ولم تستطع العواصف التي مرّت عليها أن تنتزع من أبنائها ذلك الشعور العميق بأنهم ينتمون إلى أرضٍ ليست ككل الأرض.
مصر…
ولّادة الحضارة، صانعة التاريخ، سلة الغذاء، وصيدلية الدواء، وواحة الوفاء، وقلعة الأقوياء، وضمير الأصفياء، ونصير الضعفاء، ونورٌ يظل مشتعلاً حين تتكاثر الظلمات.
ومن أراد أن يعرف مصر، فلا ينظر إلى خريطةٍ فقط؛ بل فلينظر إلى آلاف السنين التي وقفت خلف هذه الخريطة.
هنا النيل الذي لم يكن مجرد نهر، وإنما كان شريان حياة صنع حوله مجتمعًا وحضارةً ودولة.
وهنا أرضٌ ارتبط اسمها بقصص الأنبياء؛ فكانت مسرحًا لقصة يوسف عليه السلام، وموطنًا من مواطن قصة موسى عليه السلام، ومرّ بها إبراهيم عليه السلام، فحملت في ذاكرتها الدينية والتاريخية صفحاتٍ لا تزال حاضرة في وجدان الملايين.
مصر… بلد الأنبياء، وأرض الحضارات، وموطن الرجال.
لكن مصر لم تكن عظيمةً بالحجر وحده.
فالأهرام لا تتحدث عن عظمة الحجر بقدر ما تتحدث عن عقل الإنسان الذي استطاع أن يبنيها.
والمعابد لا تتحدث عن قوة الصخر وحدها، وإنما تشهد على عقلٍ عرف الحساب والهندسة والطب والفلك والكتابة قبل أن يعرف العالم كثيرًا مما يعرفه اليوم.
ولهذا فإن أعظم كنوز مصر ليس ما تحت الأرض، ولا ما تقف عليه الكاميرات أمام الزائرين؛ بل ما يسير فوق الأرض.
الإنسان المصري.
ذلك الإنسان الذي قد يملك القليل، لكنه يعرف كيف يعطي الكثير.
قد تضيق به الحياة، لكنه لا يضيق بوطنه.
قد يتعب، لكنه لا يتخلى.
وقد تنحني به الظروف، لكنه يعرف كيف يستقيم من جديد.
ولذلك لم تكن مصر يومًا فقيرةً بالرجال.
من صلاح الدين الأيوبي وسيف الدين قطز، إلى رجال العلم والفكر والسياسة والجيش والقضاء والأدب، ظل التاريخ المصري والعربي شاهدًا على أن هذه الأرض كانت ولا تزال قادرة على إنجاب الرجال حين تحتاج إليهم الأوطان.
فالزمن لا يصنع الرجال… وإنما الرجال هم الذين يصنعون للزمن معنى.
وحين نذكر مصر اليوم، فإننا لا نتحدث عن ماضٍ محفوظ في المتاحف، وإنما عن دولةٍ حاضرة، وشعبٍ حي، وجيشٍ وطني، وشرطةٍ تقوم بواجبها، وعقولٍ تعمل، وأجيالٍ جديدة تحمل أسئلة المستقبل.
فالجيش المصري ليس مجرد زيّ عسكري في الصورة؛ إنه جزء من الذاكرة الوطنية المصرية، والشرطة ليست مجرد مؤسسة أمنية؛ بل إحدى مؤسسات الدولة التي تضطلع بحماية الأمن وتطبيق القانون، والشعب المصري ليس مجرد متفرج على التاريخ؛ بل هو أحد صانعيه.
ومن هنا تأتي قوة مصر الحقيقية:
أنها لا تقوم على مؤسسة واحدة، ولا على رجل واحد، ولا على زمن واحد؛ وإنما تقوم على وطنٍ كامل تتعاقب أجياله ولا ينقطع خيط الانتماء فيه.
قد تختلف الوجوه…
قد تتغير الحكومات…
قد تتبدل الظروف…
قد تأتي أجيالٌ وتذهب أجيال…
لكن مصر تبقى.
وهنا سر الحكاية.
مصر التي عرفت المجد وعرفت المحنة، عرفت الانتصار وعرفت الانكسار، عرفت الازدهار وعرفت أوقاتًا شديدة القسوة، لكنها في كل مرة كانت تجد في أبنائها قدرةً على النهوض.
وهذا هو الفارق بين وطنٍ يعيش على أمجاده، ووطنٍ يجعل أمجاده وقودًا لمستقبله.
إننا لا نحتاج إلى أن نضع مصر فوق التاريخ؛ فالتاريخ نفسه وضعها في مواضع لا يمكن تجاهلها.
لكننا نحتاج إلى شيءٍ أهم:
أن نحافظ على مصر.
أن نحترم علمها.
أن نصون مؤسساتها.
أن نعمل من أجل مستقبلها.
أن نختلف دون أن نتحول إلى خصوم للوطن.
أن ننتقد من أجل الإصلاح، لا من أجل الهدم.
فمصر لا تحتاج إلى الذين يصفقون لها فقط…
مصر تحتاج إلى الذين يعملون من أجلها.
تحتاج إلى عقلٍ يبتكر.
ويدٍ تبني.
وفلاحٍ يزرع.
وعاملٍ يتقن.
وطبيبٍ يداوي.
ومعلمٍ يربي.
وقاضٍ يعدل.
وصحفيٍ يقول الحقيقة بمسؤولية.
وجنديٍ يحمي.
وشرطيٍ يؤدي واجبه.
ومواطنٍ يعرف أن الوطن ليس مكانًا نسكن فيه فقط، وإنما أمانةٌ تسكن فينا.
وهنا يمكن أن نفهم مصر بعيدًا عن الشعارات.
مصر ليست ماضيًا نعلقه على الجدران… مصر مستقبلٌ يجب أن نبنيه بأيدينا.
فيا مصر…
يا من حملتِ فوق كتفيك آلاف السنين…
يا من مرّ عليك الملوك والأنبياء والقادة والفرسان والعلماء…
يا من شهدتِ قيام دولٍ وسقوط دول، وصعود إمبراطورياتٍ وانطفاء إمبراطوريات…
ما زلتِ هنا.
وما زال النيل يجري.
وما زال الفلاح يزرع.
وما زال العامل يعمل.
وما زال الجندي يحرس.
وما زالت الأم تدعو.
وما زال الطفل يحلم.
وهذه وحدها تكفي لتعرفي أن الحكاية لم تنتهِ.
القفلة الصحفية
مصر لا تحتاج أن تقول للتاريخ: «أنا عظيمة»…
يكفي أن يفتح التاريخ صفحاته، فيجد اسمها مكتوبًا قبل أن يبدأ السؤال.
مصر ليست صفحةً في كتاب التاريخ…
مصر هي الكتاب الذي ما زال مفتوحًا، وما زال أبناؤها يكتبون صفحته القادمة.
————-القطيعى الشريف————–

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *