من الأسواق إلى السجلات.. قصة أسماء نسائية صنعت هوية عائلات عراقية
كتب: قصي الرشيد / العراق.
يثير انتساب بعض العائلات العراقية إلى أسماء الجدات، بدلا من الأجداد، تساؤلات لدى كثيرين، ولا سيما في المجتمعات التي يغلب عليها الانتساب الأبوي بوصفه القاعدة الأكثر شيوعا. غير أن هذا التقليد، الذي ما يزال حاضرا في عدد من المدن العراقية، يكشف عن جانب من الخصوصية الاجتماعية والثقافية التي تميز المجتمع العراقي، وتستند إلى تراكم تاريخي يمتد عبر قرون.
فالهوية الاجتماعية في العراق لم تتشكل على نمط واحد، بل تأثرت بالبيئة الحضرية والزراعية، وبالإرث الحضاري العريق الذي منح المرأة مكانة بارزة داخل الأسرة والمجتمع، الأمر الذي انعكس في بعض الأحيان على أسماء البيوتات والعائلات.
وتروي الذاكرة البغدادية واحدة من أشهر هذه الحكايات، إذ فقدت امرأة زوجها في سن مبكرة، لكنها واجهت ظروف الحياة بإرادة قوية، واتجهت إلى العمل في تجارة الغزل والنسيج. وبفضل نجاحها التجاري وسيرتها الحسنة وأعمالها الخيرية، أصبحت الشخصية الأبرز في عائلتها، حتى بات اسمها عنوانا لها، وصار الأبناء والأحفاد يُعرفون بالانتساب إليها.
وفي تلك الفترة، خلال العقود الأولى من القرن العشرين، لم تكن الألقاب العائلية قد استقرت رسميًا كما هي اليوم، لذلك كانت الأسماء تكتسب من شهرة أصحابها ومكانتهم الاجتماعية. ويذكر المعماري العراقي الرائد الدكتور محمد مكية، في مذكراته خواص السنين، أن أحد أقارب تلك العائلة كتب اسم الجدة على واجهة محله التجاري في بغداد، فانتشر الاسم بين الناس، وتحول مع مرور الزمن إلى لقب عائلي متداول.
ولا تقتصر هذه الظاهرة على قصة واحدة، بل تعكس جانبا من طبيعة المجتمع المدني العراقي، الذي منح المرأة، في كثير من الأحيان، دورا محوريا داخل الأسرة. ويرى عدد من الباحثين أن البيئة الزراعية والحضرية في وادي الرافدين أسهمت في ترسيخ هذا الحضور، بخلاف مجتمعات أخرى كانت تقوم على البنية القبلية الصارمة.
كما أن حضارات بلاد الرافدين القديمة أولت أهمية كبيرة للرموز النسوية، وتجسد ذلك في مكانة الآلهة المؤنثة مثل إنانا وعشتار، اللتين ارتبطتا في الموروث القديم بالحياة والخصب والقوة. ورغم اختلاف الأزمنة والأنظمة الاجتماعية، بقيت بعض ملامح هذا الإرث الثقافي حاضرة في الذاكرة الشعبية والعادات الاجتماعية.
ولا تزال بغداد ومدن عراقية أخرى تحتفظ بأسماء عائلات ارتبطت بجداتها، مثل: آل بنية، وحجية، وعزيزة، وكنة، وغنيمة، وحمرة، وكمونة، وغيرها من الأسماء التي أصبحت جزءا من التاريخ الاجتماعي للمدينة.
ولعل هذا الحضور يتجلى أيضا في تفاصيل الحياة اليومية؛ ففي الأحياء البغدادية القديمة (الكرخ والرصافة) اعتاد السكان التعريف بالمنازل من خلال قولهم: “بيت أم فلان”، وهي تسمية تتجاوز مجرد الوصف المكاني، لتعكس المكانة التي احتلتها المرأة في إدارة شؤون البيت، حتى غدت علامة يعرف بها المنزل وأهله.
إن انتساب بعض العائلات العراقية إلى الجدات لا يمثل خروجا على المألوف بقدر ما يعكس خصوصية اجتماعية وثقافية تشكلت عبر تاريخ طويل. فهو شاهد على مجتمع احتفظ، في بعض مفاصله، بصورة المرأة بوصفها رمزا للاستقرار واستمرار الأسرة، لتبقى هذه الظاهرة إحدى الصفحات المميزة في تاريخ الهوية العراقية.

