بقلم الجيوفيزيقي محمد عربي نصار
تحرك ميداني يستهدف رفع جاهزية المنشآت الصحية.. وتطوير الرعايات المركزة والطوارئ والحضانات وفق معايير الجودة وسلامة المرضى
في عالم الطب، قد تفصل دقائق قليلة بين الاستقرار والتدهور، وبين التدخل العلاجي المبكر والوصول إلى مرحلة يصعب معها إنقاذ المريض. ومن هنا تكتسب منظومة الطوارئ والرعاية الحرجة Emergency & Critical Care System أهميتها باعتبارها أحد أكثر المؤشرات حساسية في قياس كفاءة أي نظام صحي.
وفي هذا الإطار، كثفت إدارة الطوارئ والرعاية العاجلة بمديرية الشئون الصحية بالقاهرة جولاتها الميدانية على عدد من المنشآت الصحية، تنفيذًا لتوجيهات الدكتور تامر مدكور، رئيس قطاع الشئون الصحية بالقاهرة، وفي إطار استراتيجية تستهدف الانتقال بالمتابعة من مجرد رصد الأداء إلى التقييم الميداني المبني على المخاطر Risk-Based Assessment، وقياس الجاهزية التشغيلية Operational Readiness، وتحسين النتائج الإكلينيكية للمرضى Clinical Outcomes.
وشملت الجولات حميات حلوان، والشروق، وروض الفرج، وشبرا، ومنشية البكري، والخازندارة، مع التركيز على أكثر مكونات المنظومة حساسية: الحضانات Neonatal Intensive Care Units – NICUs، والرعايات المركزة Intensive Care Units – ICUs، وأقسام الطوارئ Emergency Departments – EDs، إلى جانب حصر الاحتياجات وتحديد فجوات الأداء ووضع خطط التطوير ورفع كفاءة الخدمات.
Leveling للحضانات.. المريض المناسب في مستوى الرعاية المناسب
أحد أبرز محاور الجولات تمثل في إجراء Leveling للحضانات بالمنشآت التي شملها المرور، تنفيذًا لتوجيهات الدكتورة عبلة الألفي، نائب وزير الصحة والسكان لشؤون السكان وتنمية الأسرة.
ولا يمثل الـ Leveling مجرد تصنيف إداري، وإنما آلية تنظيمية وإكلينيكية تستهدف تحديد مستويات القدرة الاستيعابية والتخصصية لكل وحدة، بما يدعم التوزيع الأمثل للحالات Patient Allocation، ويربط درجة خطورة الحالة Clinical Acuity بمستوى الرعاية القادر على التعامل معها.
وتكتسب هذه المنهجية أهمية خاصة في طب حديثي الولادة Neonatology، حيث تحتاج الحالات الحرجة إلى منظومة متكاملة تشمل المراقبة المستمرة Continuous Monitoring، والدعم التنفسي Respiratory Support، والتعامل السريع مع أي تدهور إكلينيكي.
والهدف في النهاية واضح: توجيه الطفل إلى المكان الصحيح، بالمستوى الصحيح من الرعاية، وفي التوقيت الذي يمنحه أفضل فرصة ممكنة للتعافي.
فريق ميداني متعدد التخصصات.. القرار يبدأ من داخل المستشفى
وضم فريق المرور الدكتورة مريم عربي حسن نصار، نائب مدير إدارة الطوارئ والرعاية العاجلة للرعايات، والدكتور مصطفى محمود، نائب مدير الإدارة للطوارئ والحروق، إلى جانب الدكتورة بسنت مصطفى علوان، عضو المكتب الفني لرئيس قطاع الشئون الصحية بالقاهرة، والدكتورة هبة الطاهر عبدالسلام السيد، مسؤول الحضانات بإدارة الطوارئ والرعاية العاجلة بالقاهرة، والدكتورة ريم كريم صنع الجليل، عضو فريق إدارة الطوارئ والرعاية العاجلة بالقاهرة.
ويعكس هذا التشكيل أهمية العمل وفق مفهوم Multidisciplinary Approach، الذي يجمع بين الخبرات الإدارية والإكلينيكية والفنية للوصول إلى تقييم شامل لا يكتفي برصد المشكلة، وإنما يبحث عن أسبابها، ويحدد الأولويات، ويضع الحلول القابلة للتنفيذ والمتابعة.
الخازندارة.. تطوير الطوارئ يبدأ من قياس الجاهزية
وفي مستشفى الخازندارة، انتقل فريق المرور إلى قلب قسم الطوارئ، حيث جرى حصر الاحتياجات ومراجعة جاهزية القسم لاستقبال الحالات الحرجة، تمهيدًا لتنفيذ خطة تطوير متكاملة.
وتشمل كفاءة أي قسم طوارئ حديث عدة عناصر مترابطة، تبدأ من فرز الحالات Triage وفق درجة الخطورة، مرورًا بسرعة التقييم الأولي Initial Assessment، واستقرار الوظائف الحيوية Hemodynamic Stabilization، ووصولًا إلى اتخاذ القرار بشأن العلاج أو الدخول إلى الرعاية المركزة أو التحويل إلى مستوى أكثر تخصصًا.
ومن هنا، فإن تطوير الطوارئ لا يعني زيادة الأجهزة والأسرة فحسب، وإنما بناء Patient Flow أكثر كفاءة، وتقليل زمن الاستجابة Response Time، وتحسين زمن التدخل Time-to-Intervention، وضمان الاستخدام الأمثل للموارد.
ورافق فريق المرور خلال جولته بالمستشفى الدكتور أحمد الشيخ، مدير عام مستشفى الخازندارة، في إطار التنسيق المباشر بين إدارة الطوارئ وإدارة المنشأة لضمان تحويل نتائج المرور إلى إجراءات تنفيذية قابلة للقياس.
منشية البكري.. من خطة التطوير إلى التنفيذ
وفي مستشفى منشية البكري، تابع الفريق الخطوات التي بدأت بالفعل ضمن خطة تطوير المستشفى، مع التركيز على استمرارية المتابعة وقياس مدى توافق التنفيذ مع المستهدفات المحددة.
ورافق الفريق خلال المرور الدكتور أحمد فتحي، نائب مدير المستشفى، بما يعزز مفهوم Continuous Quality Improvement – CQI، القائم على أن تطوير الرعاية الصحية ليس تدخلًا لمرة واحدة، وإنما عملية مستمرة من القياس والتنفيذ وإعادة التقييم والتحسين.
حميات حلوان.. قراءة الواقع من داخل موقع الخدمة
كما شهدت الجولة المرور على مستشفى حميات حلوان، حيث تابع الفريق انتظام العمل ومستوى الخدمات المقدمة للمرضى، ورصد احتياجات المنشأة ومناقشة الإجراءات اللازمة لدعم منظومة العمل ورفع كفاءتها، بالتنسيق مع الدكتور محمد زكريا، مدير المستشفى.
وتكشف مثل هذه الزيارات الميدانية عن تفاصيل قد لا تظهر كاملة في التقارير المكتبية؛ فالجودة الصحية الحقيقية تقاس عند نقطة تقديم الخدمة Point of Care، حيث يلتقي المريض بالطبيب والتمريض والنظام الصحي بأكمله.
مكافحة العدوى.. سلامة المريض تبدأ قبل العلاج
ولم تقتصر المتابعة على جاهزية الأجهزة والأسرة، بل امتدت إلى أحد أخطر محددات سلامة المرضى، وهو الوقاية من العدوى ومكافحتها Infection Prevention and Control – IPC.
وشدد الفريق على التطبيق الفعلي لمعايير مكافحة العدوى والجودة، بما يقلل مخاطر العدوى المرتبطة بالرعاية الصحية Healthcare-Associated Infections – HAIs، ويحمي المرضى والعاملين ويعزز ثقافة Patient Safety داخل المنشآت.
مقاومة المضادات الحيوية.. معركة طبية تتجاوز جدران المستشفى
كما أولت الجولات اهتمامًا خاصًا بترشيد استخدام المضادات الحيوية Antimicrobial Stewardship – AMS والتصدي لإساءة استخدامها، لما يمثله الإفراط أو الاستخدام غير الملائم من ضغط انتقائي يؤدي إلى تفاقم مقاومة مضادات الميكروبات Antimicrobial Resistance – AMR.
ومن هنا، يصبح الالتزام بالبروتوكولات العلاجية، والاختيار العلمي للمضاد، والجرعة والمدة المناسبة، جزءًا من منظومة متكاملة لحماية المريض اليوم والحفاظ على فاعلية المضادات الحيوية للأجيال القادمة.
دعم سياسي وحكومي.. الصحة في صدارة بناء الإنسان
وتأتي هذه التحركات امتدادًا لجهود الدولة المصرية في تطوير المنظومة الصحية، بدعم القيادة السياسية ممثلة في الرئيس عبدالفتاح السيسي، ومتابعة الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، وجهود الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان؛ لترسيخ جودة الرعاية، وتعزيز سلامة المرضى، وبناء منظومة صحية أكثر كفاءة واستدامة.
الدكتورة مريم عربي حسن نصار.. حضور مهني في قلب الرعاية الحرجة
وتعكس مشاركة الدكتورة مريم عربي حسن نصار حضورًا مهنيًا فاعلًا في متابعة الرعايات الحرجة، وربط التقييم الميداني بجودة الخدمة وسلامة المرضى.
من «المرور» إلى صناعة القرار
القيمة الحقيقية لهذه الجولات لا تكمن في عدد المستشفيات التي تمت زيارتها، وإنما في الفلسفة التي تقف وراءها.
فالمرور الميداني الناجح يجب ألا ينتهي بتقرير، بل يبدأ منه.
رصد الاحتياجات يقود إلى تحديد Gap Analysis، وتحديد الفجوات يقود إلى ترتيب الأولويات، والأولويات تقود إلى Corrective Action Plans، ثم تأتي المتابعة وقياس مؤشرات الأداء Key Performance Indicators – KPIs للتأكد من أن التحسين وصل بالفعل إلى المريض.
وهنا يتحول مفهوم الإدارة الصحية من الاستجابة للمشكلة بعد وقوعها إلى Proactive Healthcare Management؛ أي إدارة تتنبأ بالمخاطر، وترصد نقاط الضعف، وتتدخل قبل تحولها إلى أزمة.
المواطن.. المؤشر الحقيقي للنجاح
وفي النهاية، تبقى كل المصطلحات والخطط والمؤشرات بلا قيمة ما لم يشعر المواطن بنتائجها عندما يدخل المستشفى.
أن يجد قسم طوارئ قادرًا على استقباله بسرعة، ونظام Triage يحدد خطورة حالته بدقة، ورعاية مركزة جاهزة إذا استدعى الأمر، وحضانة مؤهلة لطفل يحتاج إليها، وفريقًا طبيًا يعمل وفق بروتوكولات واضحة، وبيئة تضع سلامة المريض Patient Safety فوق كل اعتبار.
إن الجولات التي تنفذها إدارة الطوارئ والرعاية العاجلة بالقاهرة تقدم نموذجًا للإدارة الصحية التي تتحرك من المكتب إلى الميدان، ومن رصد المشكلة إلى تحليلها، ومن التحليل إلى خطة التطوير، ومن الخطة إلى التنفيذ والمتابعة.
فالمنظومة الصحية الأكثر كفاءة ليست التي تمتلك أكبر عدد من الأجهزة فحسب، وإنما التي تعرف أين توجد إمكاناتها، وكيف تستخدمها، ومن يحتاج إليها أولًا، ومدى سرعة وصول الرعاية المناسبة إليه.
وهكذا يصبح المرور الميداني أكثر من مجرد جولة إدارية؛ بل جزءًا من منظومة هدفها النهائي واضح وبسيط رغم تعقيد الطب:
المريض الصحيح.. في المكان الصحيح.. يتلقى مستوى الرعاية الصحيح.. في الوقت الصحيح.

Right Patient. Right Place. Right Level of Care. Right Time.
من الطوارئ إلى الحضانات.. جولات ميدانية بالقاهرة تعيد رسم خريطة الرعاية الحرجة وتضع «سلامة المريض» في قلب المنظومة
من الطوارئ إلى الحضانات.. جولات ميدانية بالقاهرة تعيد رسم خريطة الرعاية الحرجة وتضع «سلامة المريض» في قلب المنظومة

