د.م. مدحت يوسف
١١ سبتمبر ٢٠٢٦
بعد أن نلتقط الأنفاس من هذا الزخم المتتابع على وسائل التواصل الاجتماعي تعالوا نحلل الحدث وندرسه بعيدا عن التأييد والرفض والانتصار لطرف على حساب آخر فالقضية أكبر من مشهد مصور وأعمق من قرار بالاستبعاد يعقبه تكريم
عندما يرى المحافظ قصورا في مدرستين ويوجه اللوم إلى مدير إحداهما ومديرة الأخرى ويتخذ قرارا باستبعاد المدير ثم يستقبل وزير التربية والتعليم المدير والمديرة ويكرمهما تأكيدا على كرامة القيادات التعليمية فإننا لا نكون أمام نهاية سعيدة لأزمة عابرة بل أمام واقعة تستوجب مراجعة مسار التقييم واتخاذ القرار وتحديد الاختصاص والمسؤولية
فجوهر القضية ليس ملابس مدير المدرسة ولا طريقة استقبال مديرة المدرسة للمحافظ ولا انفعال مسؤول ولا تكريم موظفين وإنما حالة المدرستين وما تحتاجان إليه من مرافق وصيانة وأثاث وعمالة وتجهيزات ومن المسؤول عن توفير هذه الاحتياجات ومن تابع تنفيذها قبل بداية العام الدراسي
إذا رأى المحافظ قصورا فإن الإدارة الرشيدة تقتضي توثيقه والتحقق من أسبابه وسماع مدير المدرسة ومديرتها ومعرفة ما أتيح لهما من إمكانات قبل اتخاذ أي إجراء مع الحفاظ على كرامتهما وحقهما في تقييم عادل
وفي المقابل لا ينبغي أن تكتفي الوزارة بالتكريم استجابة لما تشكل من رأي عام بل عليها أن تعود إلى المدرستين وتفحص واقعهما وتحدد لماذا اضطرت مديرة إحدى المدرستين إلى الإنفاق من مالها الخاص على بعض المرافق ولماذا قام مدير المدرسة والعاملون بأعمال تتجاوز مسؤولياتهم وهل طُلبت الاحتياجات وهل خُصصت الاعتمادات أم توقفت في إحدى مراحل التنفيذ
إن إنفاق المديرة أو المدير والعاملين من أموالهم وجهدهم قد يعكس إخلاصا يستحق التقدير لكنه في الوقت نفسه جرس إنذار لأن المرافق والصيانة والتجهيزات ليست مسؤولية فردية وإنما التزام مؤسسي يجب أن تحدد له الاعتمادات وتتابع مراحل تنفيذه حتى تصل الخدمة إلى موقعها
وهنا يبرز دور نائب مجلس النواب الذي كان ينبغي أن يعرف حالة مدارس دائرته قبل أن تكشفها المنصات الرقمية فدوره يبدأ بحصر احتياجات المدارس والمستشفيات والطرق والمرافق وتصنيفها وترتيب أولوياتها ثم تصعيدها إلى الجهات المختصة قبل إعداد الموازنة والسعي إلى توفير الاعتمادات اللازمة لها
فإذا لم تتوافر الأموال أصبح من واجبه الدفاع عن احتياجات دائرته تحت قبة البرلمان وإذا خُصصت الاعتمادات ولم تُنفذ الأعمال فعليه أن يستخدم أدواته الرقابية لمعرفة موضع التعثر وتحديد المسؤولية ومتابعة التنفيذ حتى تصل الخدمة إلى المواطن
ولا تتحقق الرقابة بأن يدخل نائب أو مسؤول إلى مستشفى فيلوم الفريق الطبي دون التأكد من توافر الأدوية والأجهزة والقوى البشرية كما لا تتحقق بمحاسبة مدير مدرسة أو مديرتها قبل توفير المرافق والصيانة والعمالة وأدوات التشغيل فمساندة المسؤول في الحصول على إمكانات العمل تسبق مراقبته والمحاسبة العادلة تبدأ بعد التمكين
كما يتحمل مدير المؤسسة مسؤولية توثيق احتياجاتها ومخاطبة الجهات المختصة وعدم إخفاء القصور خلف تقارير مطمئنة وتتحمل الجهات التنفيذية مسؤولية الاستجابة والتمويل والتنفيذ بينما تلتزم القيادة بتوحيد معايير التقييم والمحاسبة حتى لا يخضع الموظف لاختلاف التقديرات أو لضغط الرأي العام
أما المواطن والإعلام فعليهما كشف المشكلة بوعي لا تحويلها إلى معركة بين أشخاص فقد انشغل الجميع بصورة المدير وطريقة حديث المحافظ ومشهد تكريم المدير والمديرة بينما تراجع السؤال الأهم عن حالة المدرستين ومن المسؤول عن احتياجاتهما وكيف نضمن جاهزيتهما واستمرار جودة الخدمة فيهما
إن الدولة المؤسسية لا تعالج الخطأ بالإهانة ولا تعالج الإهانة بالتكريم وحده وإنما تحقق وتحدد الاختصاص وتوفر الإمكانات وتحاسب وفقا للقانون وبذلك تتحدث مؤسساتها بصوت واحد يحفظ هيبة الدولة وكرامة الإنسان
ومن هنا نبدأ من المدرسة لا من الصورة ومن أصل المشكلة لا من صداها ومن مسؤول يتابع بحكمة ونائب يحصر الاحتياجات ويسعى إلى توفيرها ويراقب تنفيذها ووزارة تعالج الخلل من جذوره ومواطن يمارس حقه بوعي
فالتعليم أمن قومي والمدرسة ليست ساحة لصناعة اللقطات ولا يجوز أن تضيع احتياجاتها بين قرار بالاستبعاد ومشهد للتكريم
#المدرسة #الوعي #المسئولية #المحافظ #وزيرالتعليم #تكريم #محافظ
DrEng Medhat Youssef Moischool خطى الوعي رئاسة مجلس الوزراء المصري وزارة التربية والتعليم المصرية
من هنا نبدأ …
حين تتصدر الصورة وتغيب المدرسة

