وقعٌ على قلبي.. عن البصمات الروحية وارتجاف الحنايا
بقلم/ نعمة حسن
“يا مُقلِّبَ القلوبِ ثبِّت قلبي على دِينِك.”
هل جرّبت يوماً أن تلتقي بغريبٍ لا تعرفه، فما إن يلوح وجهه أو ينساب صوته في المدى، حتى تشعر بأن تفاصيله قد “وقعت على قلبك”؟
وقعت بالمعنى الأول: كـ “توقيعٍ” أبدي، وبصمة حبرٍ سريّ لا تُمحى، تُثبت هويته في أعمق أوعيتك الدموية. ووقعت بالمعنى الآخر الأكثر دهشة: كـ “ارتجاف وهبوط”، تشعر معه في تلك اللحظة الخاطفة أن قلبك قد سقط من مكانه في صدرك، وكأنه يهرب من جاذبية الجسد ليلتحق بجاذبية روحٍ أخرى!
إنها ليست مجرد مصادفات عابرة، بل هي “هندسة مسبقة للأرواح”؛ تلك اللحظات التي تنخلع فيها القلوب أو تُثبَّت بكلمة، بموقف، أو بنظرة.
البصمة الروحية: كلماتٌ تَسكن.. ومواقفُ تَبني
أحياناً، لا يكون الوقع وجهاً أو صوتاً، بل “عبارة” تُقال في حوارٍ عابر، فتسقط على جرحٍ أو حيرةٍ في قلبك، فتسكن فيه وتنبت طمأنينة. أو لعلّه إنسانٌ يمرّ بضائقة، فيتصرف بنبلٍ مدهش وعفوية ناصعة، فيقع تصرفه على قلبك ليغير نظرتك للحياة بأسرها.
هذا الوقع الجميل هو “طبعٌ وبصمة”؛ إحساس يُختم على شغاف القلب فيستمر نابضاً، نعود إليه كلما قست علينا الأيام لنتدفأ به. إنه الوقوع الذي يُحيي، والتوقيع الذي يُزكي الروح ويزيدها جمالاً.
الجانب المظلم للوقوع: حين يقع القلب بوحشة
في المقابل، هناك “وقعٌ” من نوع آخر؛ موقفٌ خاذل، أو كلمة مسمومة تُلقى بلا مبالاة، فـ “توقع” القلب في الأرض بوحشةٍ مريبة. تشعر حينها بانقباض الصدر، وتتمنى لو أنك تملك ممحاةً للذاكرة لتزيل هذا الأثر الثقيل الذي تكره تذكّره.
هذا التناقض المرعب بين “وقعٍ يُعلي الروح” و**”وقعٍ يكسر النفس”** هو الذي يفسر لنا الطبيعة السائلة والمتقلبة لهذا العضو الصغير المرن.. “القلب”.
الإعجاز القرآني: سر التثبيت في مهب التقلّب
هنا يتجلى الإعجاز القرآني العظيم في فهم سيكولوجية القلب البشري؛ فالقلب سُمي قلباً لكثرة تقلبه وتحوله من حال إلى حال بناءً على ما “يقع” عليه من مؤثرات. وفي القرآن الكريم، نجد أن “تثبيت القلب” هو من أعظم النعم الإلهية، ولحظة فارقة بين الهداية والتيه، وبين الصمود والانهيار.
تأمل قوله تعالى في قصة أم موسى:
«إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» [سورة القصص، الآية: 10]
لقد “وقع” على قلب أم موسى من الخوف والوحشة ما كاد يطيح بوعيها وثباتها، فجاء التدخل الإلهي بـ “الربط”؛ والربط هو شدُّ العقدة وتثبيتها حتى لا يقع القلب في هاوية الهلع واليأس.
وفي موضع آخر، يتحدث الله عن تثبيت قلوب المؤمنين في أشد لحظات الخوف زلزليةً، فيقول:
«إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا» [سورة الأنفال، من الآية: 12]
وفي تثبيت النبي صلوات الله عليه:
«كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا» [سورة الفرقان، من الآية: 32]
إن القرآن يعلمنا أن المواقف والكلمات التي “تقع” على قلوبنا قادرة على أن تقلب حالنا رأساً على عقب؛ لذلك كان الدعاء الخالد: “يا مقلب القلوب ثبت قلبي”.. لأننا ندرك مدى هشاشتنا أمام وقع الأحداث، ونطلب العون ليظل الختم والبصمة على قلوبنا إيماناً وسلاماً، لا وحشةً وانكساراً.
وهنا لي عندك عزيزي القاريء: دعوة لحراسة الثغور الروحية
إذا كانت قلوبنا بهذه الحساسية المفرطة، حيث يمكن لإنسان تلتقيه لأول مرة أن يترك فيها “توقيعاً” يغير مجرى مشاعرك، وإذا كانت الكلمات مواضع قضاء وقدر ترفعنا أو تهوي بنا.. فعلينا أن نكون “حراساً بارعين على ثغور قلوبنا”.
لا تسمحوا لكل عابرٍ أن يضع بصمته المشوهة في أرواحكم. وفي الوقت ذاته، كونوا أنتم أصحاب “الوقع الجميل”؛ لتكن كلماتكم إذا سقطت على قلوب المتعبين طبيباً ومسكناً، وليكن حضوركم توقيعاً رقيقاً يبعث الطمأنينة ويربت على الأكتاف.
وفي عذوبة الأثر اقول :
إن”القلوب أواني الله في أرضه، فأحبها إليه أرقها وأصفاها.”
في نهاية المطاف, سنرحل جميعاً، ولن يتبقى منا سوى ما “وقع” منا في قلوب الآخرين. فاحرصوا أن تتركوا خلفكم بصماتٍ تُحب وتشتاق إليها الروح، مواقف إذا تذكرها أحدهم ابتسم وقال: “لقد وقع هذا الشخص على قلبي كالغيث.. فأنبت فيه الحياة”.
وهنا ندرك وبقوة قيمة الكلمة وأثرها في النفس وتأثيرها على متلقيها وبقاءها في النفس والروح فاحسنوا الكلمات وتذكروا دائما قوله تعالى :
[ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء * تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ].
هذا هو اثر ووقعت وبصمة الكلمة الطيبة ..
اما الكلمة الخبيثة فوقعها على القلب لا تثمر جميلا أو تبقى الحلو من المشاعر بل هي كالقمر بلا جذور حب او بصمة تسعد .
قال تعالى :
”وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ”.
حفظنا الله تعالى جميعاً من وقع القلوب المجتثة.
ووهبنا جميعاً وقع القلوب الجميلة ذات الأصل الثابت والفرع في السماء .
مع تحياتي ..
نعمة حسن

