الرئيسيةاخباروَهْمُ الكَمَالِ بَيْنَ الحِبْرِ وَالبَشَرِ»
اخبار

وَهْمُ الكَمَالِ بَيْنَ الحِبْرِ وَالبَشَرِ»

وَهْمُ الكَمَالِ بَيْنَ الحِبْرِ وَالبَشَرِ»

وَهْمُ الكَمَالِ بَيْنَ الحِبْرِ وَالبَشَرِ»

بِقَلَمِ الأَدِيبِ المِصْرِيِّ

د. طَارِق رِضْوَان جُمْعَة

اِعْتِرَافَاتُ كَاتِبٍ نَاقِصٍ…

المُقَدِّمَةُ: اِعْتِرَافٌ أَمَامَ المِرْآةِ

وَأَنَا… كَاتِبُ هَذِهِ السُّطُورِ، الَّذِي تَصِلُهُ الرَّسَائِلُ مُعَطَّرَةً بِالإِعْجَابِ، وَتَنْهَمِرُ عَلَيْهِ القُلُوبُ تَظُنُّهُ نَبِيًّا فِي مِحْرَابِ الحَرْفِ، أَقُولُهَا لَكُنَّ بِصَوْتٍ يَرْتَجِفُ صِدْقًا: أَنَا لَسْتُ كَامِلًا… وَهَذَا أَجْمَلُ مَا فِيَّ.

أَنَا رَجُلٌ يَكْتُبُ عَنِ الحُبِّ وَهُوَ يَتَعَثَّرُ فِيهِ. أَصِفُ الحِكْمَةَ وَأَنَا أَبْحَثُ عَنْهَا فِي فَوْضَايَ. أَرْسُمُ لَكُنَّ فَارِسًا عَلَى وَرَقٍ، بَيْنَمَا أَنْزِفُ أَنَا مِنْ جُرْحٍ قَدِيمٍ لَمْ يَنْدَمِلْ بَعْدُ.

فَإِنْ جَمَعَتْنَا الظُّرُوفُ يَوْمًا فِي فُنْدُقِ الحَقِيقَةِ، فَسَتَرَيْنَ رَجُلًا يَنْسَى مَفَاتِيحَهُ، وَيَغْضَبُ إِذَا جَاعَ، وَيَشْخَرُ وَهُوَ نَائِمٌ، وَيَصْمُتُ حِينَ يَجِبُ أَنْ يَتَكَلَّمَ. سَتَرَيْنَ إِنْسَانًا… لَا أُسْطُورَةً.

أَوَّلًا: صِنَاعَةُ الصَّنَمِ الأَدَبِيِّ – كَيْفَ نَخْلُقُ آلِهَةً مِنْ حِبْرٍ؟

إِنَّ القَارِئَ حِينَ يُحِبُّ نَصًّا، لَا يُحِبُّ الكَاتِبَ… بَلْ يُحِبُّ “نَفْسَهُ” وَهِيَ تَتَجَلَّى فِي كَلِمَاتِ الكَاتِبِ. هُوَ يُسْقِطُ جُوعَهُ عَلَى الحَرْفِ، فَيَرَى فِي صَاحِبِهِ مُخَلِّصًا.

وَالكَاتِبُ المِسْكِينُ يَتَحَوَّلُ إِلَى مِرْآةٍ: كُلُّ قَارِئٍ يَرَى فِيهَا الوَجْهَ الَّذِي يَتَمَنَّاهُ.

فَهَذِهِ تَرَانِى أَبًا حَنُونًا، وَتِلْكَ تَرَانِى عَاشِقًا مُتَيَّمًا، وَثَالِثَةٌ تَرَانِى نَبِيًّا لَا يُخْطِئُ.

وَهَكَذَا نَصْنَعُ الأَصْنَامَ: مِنْ كَلِمَاتٍ جَمِيلَةٍ، وَمَسَافَةٍ آمِنَةٍ، وَخَيَالٍ جَائِعٍ.

ثَانِيًا: لَحْظَةُ السُّقُوطِ – حِينَ يَلْتَقِي الحِبْرُ بِاللَّحْمِ

لَوْ أَنَّ الظُّرُوفَ تَآمَرَتْ لِتَجْمَعَ كُلَّ مَنْ أَعْجَبْنَ بِنَصِّي فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، فِي فُنْدُقٍ يَضِيقُ بِالأَسْمَاءِ وَيَتَّسِعُ لِلأَوْهَامِ، لَوْ أَنَّنَا تَقَاسَمْنَا صَبَاحًا وَمَسَاءً، وَتَشَارَكْنَا صَمْتًا وَضَجِيجًا… فَمَا الَّذِي سَيَبْقَى مِنْ ذٰلِكَ الإِعْجَابِ؟ وَمَا الَّذِي سَيَذْهَبُ مَعَ أَوَّلِ تَفْصِيلٍ يَوْمِيٍّ صَغِيرٍ؟

سَيَذْهَبُ “الإِلَهُ”، وَيَبْقَى “الإِنْسَانُ”.

سَتَسْقُطُ الهَالَةُ، وَيَظْهَرُ الرَّجُلُ الَّذِي يَخَافُ مِنَ الفَأْرِ، وَيَنْسَى عِيدَ مِيلَادِ زَوْجَتِهِ، وَيَكْرَهُ البَامْيَةَ.

وَهُنَا الكَارِثَةُ: أَنْتُنَّ لَمْ تُحْبِبْنَنِي… بَلْ أَحْبَبْتُنَّ “فِكْرَتَكُنَّ عَنِّي”. وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَكْذِبُ عَلَيْكُنَّ… كُنْتُ أَكْتُبُ فَقَطْ.

ثَالِثًا: فَلْسَفَةُ النَّقْصِ – لِمَاذَا الكَمَالُ عَدُوُّ الحُبِّ؟

إِنَّ الكَمَالَ قَبْرٌ. لَا أَحَدَ يُحِبُّ تِمْثَالًا مِنْ رُخَامٍ. نَحْنُ نُعْجَبُ بِهِ، نَنْبَهِرُ، نَلْتَقِطُ مَعَهُ صُورَةً… ثُمَّ نَمْضِي.

لَكِنَّنَا لَا نَنَامُ فِي حِضْنِهِ، وَلَا نَبْكِي عَلَى كَتِفِهِ.

الحُبُّ يَحْتَاجُ إِلَى “شَقٍّ” لِيَدْخُلَ مِنْهُ. يَحْتَاجُ إِلَى “خَدْشٍ” لِيُضَمِّدَهُ.

الكَمَالُ يَطْرُدُ، وَالنَّقْصُ يَدْعُو.

فَالكَاتِبُ الكَامِلُ لَا يَحْتَاجُكُنَّ… وَأَنَا أَحْتَاجُكُنَّ. وَهَذَا سِرُّ كِتَابَتِي: أَنَّنِي أَكْتُبُ لِأَكْتَمِلَ بِكُنَّ، لَا لِأَتَفَاخَرَ عَلَيْكُنَّ بِكَمَالٍ زَائِفٍ.

رَابِعًا: عَقْدٌ جَدِيدٌ بَيْنَ الكَاتِبِ وَالقَارِئَةِ

فَيَا مَنْ تَقْرَأْنَنِي وَتَصْنَعْنَ مِنِّي تِمْثَالًا: حَطِّمْنَ التِّمْثَالَ… لِتَجِدْنَ الإِنْسَانَ.

أَنَا لَا أُرِيدُ مُعْجَبَاتٍ يَسْجُدْنَ لِخَيَالٍ، بَلْ أُرِيدُ قَارِئَاتٍ يُحَاوِرْنَ نَصِّي، وَيُحَاسِبْنَنِي إِنْ أَخْطَأْتُ، وَيَحْتَضِنَّ نَقْصِي فَيَكْتَمِلْنَ بِي وَأَكْتَمِلُ بِهِنَّ.

اِسْأَلْنَنِي عَنْ ضَعْفِي قَبْلَ قُوَّتِي.

فَتِّشْنَ عَنْ إِنْسَانِيَّتِي بَيْنَ السُّطُورِ، لَا عَنْ أُلُوهِيَّتِي.

فَإِنْ وَجَدْتُنَّنِي أَبْكِي، فَلَا تَهْرُبْنَ… بَلْ قُلْنَ لِي: “وَنَحْنُ أَيْضًا نَبْكِي”.

هُنَا فَقَطْ… يَبْدَأُ الأَدَبُ الحَقِيقِيُّ.

الخَاتِمَةُ: دَعْوَةٌ إِلَى حُبٍّ حَقِيقِيٍّ

لِأَنَّ الحُبَّ الحَقَّ لَا يُولَدُ مِنْ رَحِمِ الكَمَالِ المُتَوَهَّمِ… بَلْ يُولَدُ حِينَ نَجْرُؤُ أَنْ نَقُولَ لِلْآخَرِ: “هَذَا أَنَا… بِكُلِّ خَدْشٍ فِيَّ. فَهَلْ تَقْبَلِينَنِي، لَا لِأَنَّنِي كَامِلٌ… بَلْ لِأَنَّنِي حَقِيقِيٌّ؟”

فَكُفُّوا عَنْ عِبَادَةِ الكُتَّابِ… وَابْدَأْنَ بِحُبِّ البَشَرِ.

فَكُلُّ حُبٍّ يَبْدَأُ بِخَيَالٍ… وَلٰكِنَّ القَلِيلَ فَقَطْ هُوَ الَّذِي يَنْجُو… حِينَ يُسْحَبُ مِنْهُ الخَيَالُ، وَيَبْقَى الإِنْسَانُ.

وَأَنَا… إِنْسَانٌ يُحَاوِلُ.

فَهَلْ تُحْبِبْنَ مُحَاوَلَتِي؟

وَهْمُ الكَمَالِ بَيْنَ الحِبْرِ وَالبَشَرِ»

وَهْمُ الكَمَالِ بَيْنَ الحِبْرِ وَالبَشَرِ»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *