المدينة التي كبرت وحدها
بقلم: محمود سعيدبرغش
في كتب التاريخ، لا تبدأ الحكايات دائمًا بسقوط مفاجئ، بل غالبًا تبدأ بمدينةٍ تكبر وحدها، وتلمع أكثر من اللازم، وتزداد أناقةً بينما تتباعد عنها الأصوات.
مدينة تُنقل إليها المفاتيح كلها: القرار، والإدارة، والخدمات، والبهجة… حتى يبدو كأن الوطن اختُصر فيها، وما عداها صار هامشًا.
لم يكن هذا جديدًا على البشرية. فالتاريخ يعرف مدنًا أُحكم بناؤها، ورُفعت حولها الأسوار، لا خوفًا من عدو قادم، بل قلقًا مما في الداخل.
وفي كل مرة، كان السؤال واحدًا: هل تُبنى المدن لتقوى الدول، أم لتختفي المسافة بين الحاكم والناس؟ أم لتكبر تلك المسافة حتى تصير طريقًا بلا عودة؟
في الأزمنة الأولى، كانت عاصمة الحكم مكانًا يُرى فيه الحاكم كما يُرى الناس. لم تكن محصنة إلا بالثقة، ولا مزينة إلا بالعدل. لم يكن السور حجرًا، بل شعورًا عامًا بأن الدولة للجميع.
ثم تغيّر المشهد مع الزمن، وبدأت المدن تُبنى لا لتجمع، بل لتفصل.
مدينة للقرار… ومدن للصبر.
كلما زادت الأسوار، قلّ الكلام. وكلما زادت الحراسة، خفّ السؤال. حتى صارت المدينة الجديدة هادئة أكثر مما ينبغي، بينما تعجّ المدن القديمة بالضيق والغلاء والتعب.
وحين تُسأل الحكاية عن السبب، لا تُجيب.
لكن التاريخ يجيب دائمًا بدلًا عنها.
كم من مدينة وُصفت بأنها لا تُقهر، ثم دخلها السقوط من أبوابٍ لم تُغلق: باب الظلم، وباب الغفلة، وباب الانفصال.
لم يكن الخلل في البناء، بل في المعنى.
فالمدينة التي تُدار من أعلى، وتُشاهَد من بعيد، لا تسمع أنين من في الأسفل.
ليس الخطر في أن تُبنى مدينة جميلة،
ولا في أن تُضاء الشوارع،
ولا في أن تتقدّم العمارة،
بل في أن يتقدّم الحجر على الإنسان،
وأن تُدار الدولة وكأنها مشروع، لا علاقة.
التاريخ لا يعادي المدن الجديدة، لكنه لا يرحم المدن التي تعتقد أنها وحدها الوطن.
ولا يقسو على العواصم، بل على العواصم التي تنسى أن قوتها ليست فيما داخلها، بل فيما خارج أسوارها.
وفي نهاية كل الحكايات المتشابهة، لم تسقط المدن لأنها كانت ضعيفة،
بل لأن ما حولها كان منهكًا.
ولم ينهَر السور، بل انهارت الثقة أولًا.
هكذا يكتب التاريخ دروسه:
المدن التي تكبر وحدها…
غالبًا ما تجد نفسها وحدها أيضًا.
المدينة التي كبرت وحدها


