روما التي طاردت العقيدة كيف أصبحت حارسة المسيحية وأين اختفى الإنجيل الأول وسط الإمبراطورية
بقلم محمد مصطفى كامل
سلسلة التاريخ من وراء الستار
مراجعة وصياغة الخبر محمد سعيد الحداد

الديسك المركزي لجريدة موطني الإخبارية المحلية والدولية
ليست أخطر لحظات التاريخ حين تسقط المدن أو تهزم الجيوش بل حين تضيع الرسالة الأصلية وسط صراع السياسة والعقائد والإمبراطوريات فبعد رفع عيسى عليه السلام لم تدخل فلسطين وحدها زمن الاضطراب بل دخل العالم كله مرحلة ستعيد تشكيل واحدة من أكبر العقائد في التاريخ فالرومان يحكمون بالقوة والأحبار يملكون النفوذ الديني والفلسفات اليونانية تنتشر في المدن الكبرى بينما كانت جماعات صغيرة من المؤمنين تحاول الحفاظ على ما تبقى من رسالة التوحيد التي جاء بها المسيح عليه السلام لكن السؤال الأخطر لم يكن فقط هل ستنتشر الدعوة بل هل ستبقى كما جاءت أصلاً وهنا تبدأ واحدة من أعقد الرحلات الفكرية والدينية في التاريخ رحلة تحول دعوة نبي جاء بالتوحيد والرحمة إلى عقائد ومؤسسات وصراعات كبرى امتدت عبر القرون وفي قلب هذه الرحلة تظهر قصة أصحاب الكهف كأنها شاهد صامت على زمن كانت فيه العقيدة تطارد قبل أن تتحول لاحقاً إلى دين تحمله الإمبراطورية نفسها فوق راياتها والمسيحية الأولى حين كان الإيمان مطارداً في العقود الأولى بعد رفع عيسى عليه السلام لم تكن المسيحية ديناً رسميياً ولا قوة سياسية بل جماعات صغيرة تعيش في خوف دائم تحت حكم الإمبراطورية الرومانية وكان أتباع المسيح يجتمعون سراً ويخافون من أعين السلطة لأن روما كانت ترى أي جماعة مستقلة خطراً على هيبة الإمبراطور ووحدة الدولة وكان كثير من المؤمنين يرفضون عبادة الإمبراطور أو المشاركة في الطقوس الوثنية فأصبحوا هدفاً للملاحقة والتعذيب والقتل وفي وسط هذا الظلام ظهرت قصة ستتحول إلى رمز خالد للصمود والإيمان
وأصحاب الكهف حين هرب الإيمان من الإمبراطورية يروي القرآن الكريم قصة فتية آمنوا بالله في زمن طغيان واضطهاد فرفضوا الخضوع لعقيدة السلطة واختاروا الهروب بدينهم إلى الكهف قال تعالى إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى وقد ذكر ابن كثير والطبري أن القصة وقعت في زمن الاضطهاد الروماني للمؤمنين الموحدين وربط بعض المؤرخين ذلك بعهد الإمبراطور ديسيوس المعروف بقسوته تجاه المخالفين دينياً ولم يكن هؤلاء الفتية أصحاب جيوش أو نفوذ بل شباباً أدركوا أن الحفاظ على العقيدة قد يصبح أحياناً أغلى من البقاء داخل المجتمع نفسه ولهذا تحول الكهف من مجرد مغارة إلى رمز لإنسان يهرب بإيمانه من عالم يخاف الحقيقة المختلفة وماذا كانت رسالة المسيح عليه السلام أصلاً وسط هذا العالم المضطرب كان السؤال الأكبر ما الذي جاء به عيسى عليه السلام أصلاً القرآن الكريم يقدم صورة واضحة جداً أن المسيح جاء مجدداً لرسالة التوحيد ومصدقاً لما سبقه من الوحي وداعياً إلى عبادة الله وحده قال تعالى على لسانه إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم لكن القرآن يذكر أيضاً أمراً شديد الأهمية غالباً ما يغفل عند الحديث عن تلك المرحلة وهو أن المسيح عليه السلام بشر برسول يأتي من بعده قال تعالى وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد وهنا يقدم الإسلام تصوراً مختلفاً تماماً لمسار الرسالة بعد رفع المسيح عليه السلام فالمسيح وفق الرؤية القرآنية لم يكن يدعو إلى ألوهيته ولا إلى تأسيس عقيدة التثليث بل كان جزءاً من سلسلة الأنبياء الداعين إلى التوحيد والمبشرين بالرسالة الخاتمة التي ستأتي لاحقاً
وكيف بدأت التحولات الكبرى بعد رفع المسيح عليه السلام دخلت الدعوة مرحلة شديدة التعقيد فالرسالة خرجت من بيئة فلسطين الصغيرة إلى عالم روماني واسع مليء بالفلسفات والثقافات المختلفة ومع الوقت بدأت تظهر أسئلة لاهوتية وفلسفية معقدة ما طبيعة المسيح هل هو نبي فقط أم يحمل طبيعة إلهية كيف تفهم المعجزات وما علاقة الابن بالأب ومع دخول الفلسفة اليونانية إلى النقاشات الدينية بدأت العقيدة تتشكل تدريجياً بصورة مختلفة عن بساطة الدعوة الأولى وبولس التحول الأكبر في تاريخ المسيحية ومن أكثر الشخصيات تأثيراً في هذه المرحلة شخصية بولس الرسول فبينما ظل الحواريون أقرب إلى جذور الرسالة داخل المجتمع اليهودي بدأ بولس ينقل المسيحية إلى العالم الروماني واليوناني الأوسع ومع هذا الانتقال ظهرت تحولات كبيرة منها التوسع خارج الإطار اليهودي واستخدام الفلسفة اليونانية في شرح العقيدة وتخفيف بعض أحكام الشريعة والتركيز على البعد العالمي للمسيحية ويرى بعض الباحثين ومنهم عبد الوهاب المسيري أن المسيحية بدأت تدريجياً تتحول من دعوة شرقية بسيطة قريبة من روح النبوات إلى بنية دينية عالمية تأثرت بالفكر الروماني واليوناني والواقع السياسي للإمبراطورية
وهل تعرض الإنجيل للتحريف وفق الرؤية الإسلامية فإن الإنجيل كان وحياً أنزله الله على عيسى عليه السلام كما قال تعالى وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور لكن القرآن يشير أيضاً إلى أن بعض أهل الكتاب وقعوا مع الزمن في التبديل والتحريف والغلو قال تعالى فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله وقال سبحانه يحرفون الكلم عن مواضعه ولهذا يرى علماء المسلمين أن النصوص والعقائد مرت بمراحل طويلة من الاختلافات والتأويلات والتغييرات البشرية عبر القرون خصوصاً مع اتساع الإمبراطورية ودخول الفلسفات المختلفة والصراعات السياسية واللاهوتية والمجامع الكنسية الكبرى وقسطنطين حين دخلت الإمبراطورية إلى العقيدة ثم جاءت اللحظة التي غيرت كل شيء ظهور الإمبراطور قسطنطين الأول الذي منح المسيحية حرية العبادة سنة ثلاثمائة وثلاثة عشر ميلادية عبر مرسوم ميلانو وهنا بدأت المسيحية تنتقل من مرحلة المطاردة إلى مرحلة الدولة والإمبراطورية ومنذ تلك اللحظة لم تعد العقيدة مجرد دعوة روحية مضطهدة بل أصبحت جزءاً من بنية الحكم والسياسة ومتى أصبح الصليب رمزاً للمسيحية ومن أبرز التحولات التي ظهرت في تلك المرحلة اتخاذ الصليب رمزاً عالمياً للمسيحية فالمسيحيون الأوائل لم يكونوا يرفعوا الصليب بالشكل المعروف لاحقاً خصوصاً أن الصلب عند الرومان كان رمزاً للعقوبة والإهانة لكن مع صعود قسطنطين الأول بدأ الصليب يتحول تدريجياً إلى شعار ديني وسياسي يظهر على الكنائس والرايات العسكرية والعملات ومؤسسات الدولة بينما يؤكد القرآن الكريم أن المسيح عليه السلام لم يصلب أصلاً وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ولهذا لا ينظر الإسلام إلى الصليب باعتباره جزءاً من رسالة الأنبياء الأصلية بل رمزاً تشكل لاحقاً داخل التاريخ المسيحي بعد رفع المسيح عليه السلام لم تكن قصة أصحاب الكهف مجرد حكاية عن فتية ناموا طويلاً داخل كهف معزول بل كانت صورة لعالم كامل كان الإيمان فيه يطارد تحت أقدام الإمبراطوريات وفي الوقت نفسه لم تكن رحلة المسيحية بعد رفع عيسى عليه السلام مجرد انتشار دين جديد بل رحلة معقدة اختلط فيها الوحي بالتأويل والدعوة بالسياسة والعقيدة بالإمبراطورية والإيمان بالفلسفة والنفوذ حتى تحولت الرسالة التي بدأت بدعوة إلى التوحيد والرحمة إلى واحدة من أعقد البنى الدينية والسياسية في التاريخ وكأن التاريخ كان يكشف مرة أخرى حقيقة مرعبة أن الأفكار حين تغادر أصحابها تبدأ رحلة جديدة قد تغيرها الإمبراطوريات بقدر ما يغيرها الإيمان نفسه
والمصادر المعتمدة القرآن الكريم البداية والنهاية ابن كثير تاريخ الرسل والملوك الطبري موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية عبد الوهاب المسيري دراسات تاريخ المسيحية المبكرة والإمبراطورية الرومانية تحت إشراف الديسك المركزي بجريدة موطني الدولية لتقديم المتابعة الفكرية والتاريخية المتميزة
وفي الختام يظل دور جريدة موطني الدولية مقتصرًا على الرصد التحريري والمقالات الفكرية والبيانات الرسمية ونقل الصورة المضيئة لجهود الكتاب والباحثين الأجلاء تحت إشراف الديسك المركزي بالجريدة
روما التي طاردت العقيدة كيف أصبحت حارسة المسيحية وأين اختفى الإنجيل الأول وسط الإمبراطورية

