بقلم: د. حماد مسلم
يتبادر إلى الأذهان سؤال جوهري حول مدى حاجتنا اليوم للاستماع إلى الكلمات الطيبة بعد أن كاد القبح يطغى على الكثير من الأحاديث حتى أصبحنا نتوق لسمَاع لفظ نقي يداوي النفوس وهنا يبحر بنا الفكر في أعماق الكلمة التي تمثل سلاحاً ذا حدين إن أحسن المرء استخدامها جني المجتمع ثمارها الطيبة والنافعة وإن أساء استعمالها كانت وبالاً عليه وعلى المحيطين به وسبباً في الانحراف والإضلال وتأتي الكلمة الطيبة بأجر عظيم ونفع ممتد حيث تظهر آثارها جلياً على إيمان العبد لكونها من أبرز خصال المؤمنين امتثالاً لقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت وبذلك يتوجب على المسلم صون لسانه واجتناب اللغو والآثام ليتحرى النفع في حديثه وإلا التزم الصمت تلافياً للمؤاخذة بحصائد الألسنة التي قد تكب الناس في النار على وجوههم كما ورد في نصيحة المصطفى لمعاذ بن جبل رضي الله عنه ويمتد الأثر البالغ للكلمة الطيبة إلى ميدان الدعوة إلى الله إذ تؤتي الثمار يانعة بالقدوة الحسنة والموعظة التي تفتح القلوب المغلقة تماشياً مع التوجيه الرباني في سورة النحل ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ولنا في رسول الله أسوة حسنة حيث كان لين الجانب بشوش الوجه يعلم الجاهل برفق تام ودون فظاظة كما روي عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه حين تكلم في الصلاة جهلاً فوجهه النبي بكل لطف ودون زجر قائلاً إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التكبير والتسبيح وتلاوة القرآن مما جعل القلوب تقبل سنته لحسن خلقه الشريف وعلى الصعيد النفسي والاجتماعي تحيي الكلمة الطيبة القلوب التي أضنتها الدنيا وتبث فيها الأمل لتكون غذاء للروح وشفاء للأنفس وتنقذها من المهالك كما أنها تزرع الألفة وتقوي الروابط بين أفراد المجتمع مصداقاً لقوله تعالى ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم فهي تطفئ نار الغضب وتقطع طرق الشيطان الذي ينزغ بين الناس وبذلك يسود الحلم ويعفو المحسن عن المسيء ليكون أصحاب الكلمات الطيبة هم مفاتيح الخير ومغاليق الشر في مجتمعاتهم وتتنوع الكلمة الطيبة لتشمل ما كان في حق الله تعالى كالذكر والتسبيح والتكبير والدعاء والتضرع الخالص وما كان في حق الناس كإلقاء السلام والتأدب وحسن الخلق والثناء بالحق تنفيذاً للحديث الشريف الذي يرسخ أن كل خطوة وعمل صالح والكلمة الطيبة صدقة وتتجلى عظمة هذه المقارنة عند تدبر قوله تعالى ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها فالكلمة الطيبة ثابتة في النفس وتفتح أبواب الخير بينما تأتي الكلمة الخبيثة كشجرة الحنظل المريرة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار فلا تثمر إلا ضراً لصاحبها ولمن ينقلها ويسير في دروب السوء وفي الخلاصة نؤكد أن الكلمة الطيبة صدقة جارية تضيء الدروب وتصلح الأحوال وتظل الحقيقة الراسخة عبر الزمان هي أن الإنسان في جوهره كلمة فلتكن كلماتنا دائماً منبعاً للخير والنور للمجتمع بأكمله

