قراءة نقدية في الآثار الاجتماعية والتشريعية لـ “قانون 73 لسنة 2021”
بقلم : شريف السبع
باحث بالشؤون العمالية
إن إثارة ملف القانون رقم 73 لسنة 2021 بشأن شروط شغل الوظائف أو الاستمرار فيها تفتح الباب أمام واحدة من أقسى الإشكالات التشريعية والاجتماعية التي مست استقرار آلاف العائلات العاملة في الجهاز الإداري للدولة والقطاع العام.
وبعيداً عن النصوص الصماء، فإن قراءة الواقع العملي لتطبيق هذا القانون تكشف عن فجوة عميقة بين الهدف المعلن (حماية المرافق العامة وسلامة المواطنين) وبين الأثر الواقعي (العقوبة الإقصائية المباشرة دون تدرج علاجى حقيقي).
أولاً: الثغرة الكبرى.. “المريض” في مواجهة “المجرم”
يتعامل الفقه القانوني الحديث والسياسات الصحية الدولية مع الإدمان بوصفه مرضاً مزمناً يحتاج إلى برامج تأهيل وعلاج ورعاية، لا إلى عقوبات إعدام وظيفي تزيد من التهميش وتدفع الأسرة بأكملها إلى دائرة الفقر.
غياب التدرج العلاجي: لم ينص القانون في فلسفته التنفيذية على إتاحة فرصة حقيقية للعلاج الإلزامي تحت إشراف طبى ومؤسسي قبل اللجوء إلى سلاح الفصل النهائي. الفصل المباشر تحول الموظف من شخص يعاني من عارض صحي أو اجتماعي إلى “منبوذ مهنياً”، مما يغلق أمامه سبل التعافي التي تعتمد أساساً على الاستقرار النفسي والمادي.
إشكالية التشخيص الدقيق (العلاجات المزمنة): يبرز هنا تساؤل بالغ الأهمية حول مدى دقة الفحوصات الطبية وعزلها عن الأدوية العلاجية ذات التأثير النفسي أو العقاقير المستخدمة لأمراض مزمنة أخرى؛ إذ قد تظهر نتائج التحاليل إيجابية بسبب أدوية مشروعة يتناولها الموظف بوصفات طبية معتمدة، مما يضع البراء والمريض بغير إدمان في مهب الإقصاء التعسفي إن لم تكن آليات التمحيص والفحص التوكيدي دقيقة وحازمة ومحاطة بالضمانات الكاملة.
ثانياً: استئثار الإدارة بسلطة الفصل.. اغتصاب لولاية القضاء وتغول على حقوق العامل
تمثل هذه النقطة جوهر الأزمة الدستورية والقانونية في هذا الملف؛ فمنح الجهة الإدارية حق توقيع عقوبة الفصل النهائي بذريعة تطبيق القانون، دون حكم قضائي بات من المحكمة المختصة، يمثل عدواناً صارخاً على مبدأ الفصل بين السلطات واغتصاباً لولاية القضاء:
الجهة الإدارية خصم وشريك: عندما تتحول الجهة الإدارية إلى “مُجري للتحليل، ومُحقق، وقاضٍ، ومنفذ لعقوبة الفصل”، فإنها تنتزع الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة.
سلب الاختصاص الأصيل: إن إنهاء روابط العمل والفصل في المنازعات العمالية هو ولاية أصيلة للمحاكم والمجالس القضائية المستقلة، حيث يتم تمحيص الأدلة، ومناقشة التقارير الفنية، والتأكد من خلو الإجراءات من التعسف، لا بقرار إداري منفرد قد يخضع لأهواء الإداريين.
خطر التعسف وغياب الرقابة المسبقة: إن إطلاق يد الإدارة في توقيع عقوبة “الإعدام الوظيفي” يفتح الباب أمام تصفية الحسابات الوظيفية، ويعرض العاملين لأخطار الفحوصات الفنية غير الدقيقة التي قد تدمر مستقبل أسر بأكملها دون ضمانات كافية للمراجعة القضائية السابقة لتنفيذ القرار.
ثالثاً: الأبعاد الاجتماعية المدمرة
عندما يُفصل موظف بحجة تطبيق القانون، لا تتوقف العقوبة عند حدود الشخص المعني، بل تمتد لتطول كيان الأسرة بالكامل:
انهيار الأمن المعيشي: قطع الدخل الوحيد لأسر تعتمد كلياً على الوظيفة العامة يعني الحرمان المفاجئ من الرعاية الصحية، والتعليم، وأبسط مقومات الحياة الكريمة.
وصمة العار المجتمعية: يفقد المفصولون قدرتهم على الاندماج في أسواق العمل البديلة بسبب أسباب الفصل الوظيفي الواردة في ملفاتهم، مما يخلق بيئة خصبة لتعميق الأزمات النفسية والاجتماعية بدلاً من حلها.
غياب آليات الدعم الأسري: لا يقابل قرار الفصل أي برامج حماية اجتماعية أو إرشاد أسري للتعامل مع الموقف، مما يترك الأسر وحدها في مواجهة التداعيات المادية والنفسية القاسية.
رابعاً: نحو مقاربة تشريعية وإنسانية بديلة
إن حماية المصلحة العامة واستقرار بيئة العمل لا تتعارض مع الإنسانية وعدالة القانون؛ بل تستوجب تعديلات جوهرية تعيد الأمور إلى نصابها الصحيح:
إقرار حق العلاج والسرية: اعتبار الحالات التي تثبت إيجابية عيناتهم دون قضايا جنائية مرتبطة بترويج أو الاتجار، “حالات مرضية” توضع فوراً في برامج علاجية مدعومة من جهة العمل مع الاحتفاظ بالوظيفة أو إجازة مرضية مدفوعة الأجر جزئياً لحين الشفاء.
حصر الفصل بالقرار القضائي: سلب الإدارة حق الفصل الإداري المباشر، وإعادة اختصاص إنهاء الخدمة ليكون حصراً بيد القضاء العمالي المستقل بعد تحقيقات منصفة وضمانات دفاع كاملة.
لجان تظلمات وتحاليل محايدة: تمكين الموظفين من الطعن في نتائج التحاليل عبر جهات طبية مستقلة ومحايدة (مثل الطب الشرعي أو مستشفيات جامعة كبرى) وبحضور ممثلين نقابيين أو حقوقيين لضمان عدم التعسف في تطبيق الاختبارات أو وقوع أخطاء فنية.

