الرئيسيةUncategorizedفلسفة الشجرة حين تتكلم الجذور
Uncategorized

فلسفة الشجرة حين تتكلم الجذور

 

الكاتب عايد حبيب جندي الجبلي

معلّقٌ في كل ذرةٍ من وجداني، أحمل حُزمةً من اليأس المنكسر بين أضلاع هذا الكون. أتألم كما يتألم هو، وأمضي بين أنقاضٍ خلّفتها أطلال مجتمعٍ أنهكه الانكسار.

أبحث عن الحرية، فإذا بها سرابٌ يتلاشى في خاطري، وبين عشبٍ مهمّش تهب الرياح فتحصد ما تبقى من بقايا الحياة. فما الذي بقي من حب العيش، وقد أصبحت الشعوب تتناحر على أوهامٍ زرعتها العقول المنفية عن الحقيقة؟ مجتمعٌ لا يعرف الحرية، ولا يدرك أن التقدم لا يُبنى إلا بها، فيظل أسير مرارة الزمن حتى تلتهمه عوامل الفناء.

وما أشبه ذلك بشجرةٍ مثمرة، وهبها الله الخير لتمنحه للناس، لكنها حُرمت الماء الذي يُعينها على الإثمار. وحين أثمرت، التف الجميع حولها، يأكلون من خيرها، ثم حاولوا اقتلاعها من جذورها، وكأن العطاء أصبح ذنبًا يُعاقَب عليه صاحبه.

إنها شجرةٌ وارفة الظلال، استراح تحت أغصانها المتعبون، وأكل من ثمارها العابرون، ونهلت من خيرها الأجيال. حملت على أغصانها الطيور المهاجرة، وآوت كل من ضاقت به السبل، وشهدت ملوكًا وفقراء تعاقبوا على مر العصور، دون أن تبخل على أحدٍ بظلها أو ثمرها.

هي شجرةٌ عتيقة، حفظها التاريخ شاهدًا على الكرم والصبر. كانت في بيت أبي، ثم صارت في بيتي، وستظل ميراثًا لأحفادي وأحفاد أحفادي. وستبقى جذورها تغذي الأشجار الضعيفة، وتمنحها أسباب الحياة، مهما جحدت فضلها.

لكن المؤلم أن من احتمى بظلها، إذا اشتد عوده، عاد ليكسر أغصانها، ويهشم جذورها. يرسلون أبناءهم ليقطفوا ثمارها، فإذا شبعوا، داسوا على ما تبقى منها، ولم يتركوا شيئًا لمن سقاها ورعاها. أما هي، فتظل صابرة، تتعايش حتى مع أعدائها الذين يأتون بالفؤوس ليقطعوا ما بقي من حياتها.

يا لها من شجرةٍ مثمرة عبر العصور! كم واجهت من أعاصير، وسيول، وحروب، وبقيت ثابتة لا تنحني. أكل الجميع من ثمارك، واستظلوا بظلك، ولم يبق لك إلا الصبر الجميل.

أحبكِ حتى يذبل جسدي، ويلامس كهلي تراب الأرض. وسيظل أملي معقودًا عليك، وحلمي أن أرى الرخاء يملأ ربوعك، وأن تبقي شامخة كما كنتِ دائمًا، عنوانًا للعطاء الذي لا ينضب، وللصمود الذي لا تهزمه الأيام.


يحمل هذا النص رؤية فلسفية وإنسانية عميقة، ويعتمد على الرمز أكثر من اعتماده على الوصف المباشر. فالكاتب لا يتحدث عن شجرة حقيقية فحسب، وإنما يجعلها رمزًا لكل مصدر للعطاء، سواء كان وطنًا، أو أمًا، أو إنسانًا كريمًا، أو حضارةً عريقةً أفنت عمرها في خدمة الآخرين.

يفتتح النص بصورة نفسية قاتمة، إذ يصور شعورًا باليأس والانكسار، وكأن الألم لم يعد ألم فردٍ واحد، بل أصبح وجعًا يسكن المجتمع بأسره. فالكاتب يرى أن غياب الحرية، وانتشار الصراعات، وانشغال الناس بأوهام لا قيمة لها، كلها عوامل أدت إلى تحطم الإنسان من الداخل وإعاقة مسيرة التقدم.

ثم ينتقل إلى الرمز الرئيس في النص، وهو الشجرة المثمرة. هذه الشجرة تمثل الخير الذي يعطي بلا مقابل؛ فهي تمنح الظل للعابرين، والثمر للجائعين، والمأوى للطيور، وتستقبل الجميع دون تمييز. ومع ذلك، فإن من ينتفعون بها لا يقابلون إحسانها بالشكر، بل يحاولون اقتلاعها وتحطيمها. وهنا ينتقد الكاتب ظاهرة الجحود، حين يتحول المستفيد إلى عدو لمن أحسن إليه.

ويؤكد الكاتب أن هذه الشجرة ليست وليدة اليوم، بل هي شجرة ضاربة الجذور في التاريخ، ورثها الآباء للأبناء، وستبقى إرثًا للأحفاد. وهذا يرمز إلى أن القيم الأصيلة، أو الوطن، أو الحضارة، لا تقوم على جيل واحد، بل تمتد عبر الزمن، وتغذي الأجيال اللاحقة كما تغذي الجذور الأغصان الجديدة.

كما يبرز النص مفارقة مؤلمة؛ فالناس لا يتذكرون قيمة الشجرة إلا عندما تضيق بهم السبل، فيلجؤون إليها طلبًا للعون، فإذا انقضت حاجتهم عادوا إلى الإساءة إليها. إنها صورة رمزية للعلاقة التي يقيمها بعض البشر مع أوطانهم أو مع أصحاب الفضل عليهم، حيث يأخذون كل شيء، ثم لا يقدمون شيئًا في المقابل.

وتأتي الأعاصير والسيول والحروب في النص بوصفها رموزًا للمحن التي مرت بها الشجرة عبر العصور. ورغم ذلك كله، بقيت ثابتة شامخة، لم تتخل عن رسالتها في العطاء. وهذا يعكس إيمان الكاتب بأن القوة الحقيقية ليست في البطش، وإنما في القدرة على الصمود والاستمرار رغم كثرة الجراح.

أما خاتمة النص، فهي تعبير عن وفاء عميق؛ إذ يعلن الكاتب أنه سيظل متعلقًا بهذه الشجرة حتى آخر العمر، متمنيًا أن يراها مزدهرة وآمنة. وهنا يتحول النص من مرثية للألم إلى رسالة أمل، تؤكد أن الخير قد يُحارب، لكنه لا يموت، وأن الجذور الأصيلة تبقى أقوى من كل محاولات الاقتلاع.

ومن الناحية الأدبية، اعتمد الكاتب على صور بلاغية كثيفة، فجعل الشجرة رمزًا للعطاء، والجذور رمزًا للأصالة، والثمار رمزًا للخير، والرياح والجراد والأعاصير رمزًا للأزمات والظلم والجحود. وقد منح هذا الأسلوب النص عمقًا فلسفيًا، وجعل القارئ يتجاوز المعنى الظاهر إلى معانٍ إنسانية ووطنية أوسع.

وفي مجمله، يوجه النص رسالة واضحة مفادها أن المجتمعات التي لا تحفظ الجميل، ولا تحمي مصادر عطائها، تُضعف نفسها بنفسها. أما من يصون جذوره، ويحفظ فضل من أحسن إليه، فإنه يؤسس لمستقبل أكثر قوة واستقرارًا، لأن الحضارات لا تبنى بالجحود، وإنما بالوفاء، والعدل، ورد الجميل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *