كتبت/ ولاء عزت

بين زلزال الأمس وزلزال اليوم… هناك شيء لا تهزه الأرض
“حسيتِ بالزلزال؟”
كان هذا السؤال الأكثر تكرارًا لى اليوم. سؤال بسيط، لكنه لم يُعدنى إلى دقائق قليلة مضت، بل أعادنى أكثر من ثلاثين عامًا إلى الوراء… إلى زلزال عام 1992، ذلك اليوم الذى لا يزال محفورًا فى ذاكرة كل من عاشه.
كنت وقتها طالبة بالصف الأول الثانوى، بمدرسة السلام، الفترة المسائية، وأسكن فى حدائق القبة. كنا فى حصة اللغة الفرنسية، وكل شىء كان يسير بشكل طبيعى، وفجأة… تغير كل شىء فى لحظة.
اهتزت الأرض بعنف، وتحولت المدرسة إلى مشهد يصعب وصفه. صرخات، فزع، تدافع، وكل إنسان يحاول أن يسبق الآخر هربًا من الموت. والمفارقة المؤلمة أن بعض الناس كانوا يهربون من الموت… إلى الموت.
داخل المدرسة كان الجميع يندفع خارج الفصول، حتى إن بعضهم كان يدوس على الآخرين من شدة الذعر، لا يريد إلا النجاة.
أما أنا، فكان فصلى فى الدور الأرضى. انتظرت حتى خلت الفصول تمامًا، ثم خرجت بهدوء. وعندما رآنى زملائى، سمعتهم يسألون قبل أن أظهر: “هى فين ولاء؟”
وفجأة وقفت أمامهم.
نظروا إلىَّ فى دهشة، وكانت أول عبارة خرجت منهم:
“إيه البرود ده؟!”
ابتسمت وقلت بهدوء ما زلت أتذكره حتى اليوم:
“إذا كان هذا سببًا لموتى، فلن أستطيع الهروب منه.”
نطقت الشهادة… وانتظرت قدر الله.
عدت إلى المنزل بنفس الهدوء. هناك وجدت أمى – رحمها الله – فى حالة من القلق الشديد، والأسرة كلها تعيش لحظات من الرعب. كان خالى يقيم معنا فى نفس العقار، وابنة خالى كانت فى مثل سنى تقريبًا، عادت فى حالة انهيار كامل، وملابسها مبعثرة من شدة التدافع، لذلك ظن الجميع أننى سأعود بالحال نفسها… أو ربما لن أعود أصلًا.
حتى إنهم أرسلوا أخى الأكبر إلى المدرسة ليطمئن علىَّ ويصحبنى إلى المنزل، لكننى كنت قد وصلت قبله.
تكرر السؤال مرة أخرى داخل بيتى:
“إيه البرود ده؟! وإزاى رجعتى وشكلك كأنك خارجة من البيت حالًا؟”
وكانت إجابتى هى نفسها…
الحقيقة أننى لم أكن شجاعة أكثر من غيرى، ولم أكن أتحدى الخطر، فالخوف شعور فطرى يسكن كل إنسان. لكن الذى حدث أن الله ألقى فى قلبى سكينة لم أستطع تفسيرها، حتى إننى أنا نفسى تعجبت منها.
واليوم، عندما اهتزت الأرض من جديد، وجدت الزمن وكأنه يعيد المشهد، ويوقظ فى الذاكرة تلك اللحظات بكل تفاصيلها.
وأيقنت أن الإنسان قد يملك كل أسباب الحذر، ويجب عليه أن يأخذ بها، لكنه لا يملك أن يقدم أجله أو يؤخره لحظة واحدة. فما كتبه الله سيكون، وما لم يكتبه فلن يكون.
ولعل أجمل ما يعبر عن ذلك قول الله تعالى:
﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾
صدق الله العظيم.
فالطمأنينة ليست غياب الخوف، وإنما حضور اليقين. وإذا امتلأ القلب بالثقة فى الله، أصبح أكثر ثباتًا حتى وإن كانت الأرض تهتز تحت الأقدام.
حفظ الله مصر وأهلها، وجعل ما نراه من آياته سببًا لأن نراجع أنفسنا، ونزداد قربًا منه، فهو وحده الذى إذا قال للشىء كن فيكون، وإذا منح القلب سكينة، فلن تنزعها زلازل الأرض كلها.
“حين اهتزت الأرض… ولم يهتز قلبى”

