كتب: وائل عباس

تتعاقب الحكومات على مصر وتتغير السياسات والبرامج ، لكن القاعدة التي يجب ألا تغيب هي أن المواطن ليس مجرد رقم في الموازنة أو وسيلة لتعويض عجزها ، وإنما هو جوهر الدولة وهدف سياساتها .
تحمل المصريون على مدار عقود قرارات اقتصادية صعبة ، وواجهوا ارتفاعات متتالية في الأسعار وبرامج للإصلاح والتقشف ، لكنهم كانوا ينتظرون في المقابل عدالة في توزيع الأعباء ، وحماية حقيقية لمحدودي ومتوسطي الدخل .
ومن هنا تبرز علامات استفهام … ؟؟؟ حول أداء حكومة الدكتور مصطفى مدبولي ، خصوصًا مع تتابع الزيادات في أسعار الوقود والكهرباء والخدمات ؛ فالإصلاح الاقتصادي قد يكون ضرورة ، لكن نجاحه لا يقاس بعدد القرارات ، وإنما بقدرة الحكومة على حماية المواطن وشرح أسباب القرارات بشفافية وتخفيف آثارها .
المواطن بين القانون والرحمة
وفي المحافظات لا تقل طريقة تطبيق القانون أهمية عن القانون نفسه. فمصادرة بضاعة بائع فاكهة بسيط مثلًا ، قد تكون لها أبعاد قانونية ، لكن هل يكفي تطبيق القانون دون مراعاة ظروف من يبحث عن قوت أسرته … ؟؟؟
إذا كان المواطن مخالفًا فهناك القانون والغرامات والإجراءات ، مع ضرورة البحث عن بدائل قانونية لأصحاب المهن البسيطة. أما تحويل كل مخالفة إلى مواجهة بين المواطن وأجهزة الدولة ، فلن يصنع بالضرورة رضا اجتماعيًا أو ثقة في الإدارة .
وينطبق الأمر نفسه على حملات إزالة الإشغالات ؛ فالمطلوب ليس فقط إزالة المخالفات ؛ وإنما تنظيم الأسواق والشوارع والأنشطة التجارية بصورة توفر حلولًا دائمة .
القانون يحتاج إلى عقل وقلب
وفي الوقائع فإن الأمور المتعلقة بإزالة بعض المنشآت أو الأنشطة ، يجب أن تسبق التنفيذ شفافية كاملة ؛ والتأكد من وصول الإخطارات إلى الأطراف المعنية ، وإتاحة فرص التظلم والتصحيح متى كان ذلك ممكنًا .
فهيبة الدولة لا تعني قسوتها ، وتطبيق القانون لا يعني إهدار البعد الإنساني . والمواطن الذي يرى قرارًا إداريًا يُنفذ بصورة مفاجئة دون أن يفهم أسبابه أو يجد فرصة للدفاع عن حقه ، قد يفقد ثقته في الإدارة حتى لو كان القرار مستندًا إلى القانون .
ا
لإزالة ليست الإنجاز الوحيد
ولا ينبغي أن يتحول عمل رؤساء الأحياء إلى سباق في عدد الإزالات والمحاضر والمخالفات ، فمسؤولية رئيس الحي تشمل النظافة والطرق والإنارة والأسواق والخدمات وشكاوى المواطنين ومواجهة المخالفات والحفاظ على المظهر الحضاري .
والإسكندرية على سبيل المثال لا الحصر ؛ تحتاج إلى جانب مواجهة الإشغالات ، إلى مواجهة حقيقية لمخالفات البناء والبلطجة والفساد الإداري والانفلات ، مع رقابة جادة على مستوى الخدمات في المستشفيات والمنشآت الحكومية ، ودون انتقائية في تطبيق القانون .
التحذير من الفوضى لا يكون بالتهديد
أما التحذير من الأحتجاج أو الخروج ضد الحكومة ، فإذا كان هدفه حماية الدولة من الفوضى والتخريب ، فإن طريقة مخاطبة المواطن تظل مهمة .
الدولة القوية لا تحتاج إلى تخويف مواطنيها ؛ وإنما إلى إقناعهم . والأحتقان لا يُعالج بالتحذير منه ، وإنما بمعالجة أسبابه ؛ وشرح الحقائق للمواطن ، والإستماع إلى مشكلاته .
الرئيس ليس مسؤولًا عن كل خطأ تنفيذي
وهنا يجب التأكيد على أن تحميل القيادة السياسية مسؤولية كل خطأ إداري أو تصرف غير موفق من مسؤول تنفيذي ليس أمرًا عادلًا ، خاصة إذا كانت هناك توجيهات واضحة بتخفيف الأعباء عن المواطنين وتحسين الخدمات .
لكن المواطن لا يرى دائمًا الفاصل بين القرار السياسي والتنفيذ الإداري ؛ فهو يتعامل مع الحكومة والمحافظ ورئيس الحي والموظف باعتبارهم جميعًا ممثلين للدولة .
ولهذا فإن إصلاح الخلل التنفيذي ، ومحاسبة المقصر وتصحيح الأخطاء قبل تفاقمها ، هي مسؤولية أساسية للحكومة وأجهزتها .
وفي النهاية
المواطن لا يطلب المستحيل ؛ إنه يريد أن يشعر بأن الدولة تسمعه ، وأن القانون يطبق بعدل ، وأن القرارات تُتخذ بعقل ، وأن من يملك السلطة يملك معها الرحمة والمسؤولية.
فالدولة القوية ليست التي تُخيف مواطنيها ، وإنما التي تجعلهم يثقون بها .
حكومة مراااسى … وشعب المأسى … !!!

