يا مصر بتعمليها إزاي
كتب : عماد نويجى
لم يعد الأمر مجرد أغنية أو رقصة أو فنان ظهر في برنامج ولم تعد المشكلة في شخص بعينه ولا في مساحة من الحرية يختلف الناس حول حدودها
المشكلة الحقيقية أصبحت في الرسالة التي يصنعها الإعلام حين يمنح التفاهة كل هذا الضوء ويمنح أصحاب المحتوى السطحي مساحة لا يحلم بها أصحاب العلم والثقافة والإنجاز
حين يصبح الظهور لمجرد إثارة الجدل طريقا للشهرة وحين تتحول مشاهد الرقص والاستعراض إلى مادة تتسابق البرامج على استضافتها وحين يصبح التريند أهم من القيمة فنحن لا نتحدث عن إعلام يواكب المجتمع بل عن إعلام يصنع ذوقا عاما جديدا ويعيد تشكيل وعي الناس دون أن يشعروا
الأخطر من ذلك أن الطفل والشاب الذي يرى هذا المشهد كل يوم قد يبدأ في الاعتقاد بأن الطريق الأسرع للنجاح ليس العلم ولا الاجتهاد ولا الأخلاق ولا الموهبة الحقيقية وإنما إثارة الجدل وجذب المشاهدات وصناعة الضجيج
وهنا يصبح السؤال موجها إلى الإعلام قبل أي أحد
ماذا تريدون أن تقولوا لأبنائنا
حينما تتوجه دكتورة إلى الرقص بعد كل سنوات الدراسة والعلم وبدلا من تخفف الألم للناس تخفف من ملابسها وسبعينى بجوارها يرتدى قرطا كالمخنثين وسلسله
هل تريدون منهم أن يتعلموا أن الشهرة أهم من العلم وأن التريند أهم من الإنجاز وأن الجسد حين يتحول إلى وسيلة للفت الأنظار يمكن أن يفتح أبوابا لا تفتحها سنوات الدراسة والعمل
الإعلام الذي يرفع التفاهة إلى مرتبة القدوة لا يستطيع بعد ذلك أن يلوم المجتمع حين تتراجع فيه قيمة القدوة
والإعلام الذي يجعل كل شيء قابلا للبيع من أجل المشاهدة والإعلان لا يحق له أن يتحدث كثيرا عن انهيار الذوق العام وهو أحد أكبر المشاركين في صناعة هذا الانهيار
لسنا ضد الفن ولسنا ضد الغناء ولسنا ضد اختلاف الأذواق ولسنا ضد أن يعيش الإنسان حياته كما يريد في حدود القانون والاحترام
لكننا ضد أن تتحول التفاهة إلى مشروع قومي للترند
وضد أن يصبح الابتذال مادة يومية تقدم للناس باعتبارها نجاحا
وضد أن يجد العالم والمفكر والمعلم والطبيب والباحث وصاحب الإنجاز الحقيقي نفسه في آخر الصف بينما تتصدر المشاهد الأكثر إثارة للجدل كل الشاشات
والأكثر إيلاما أن جزءا من الجمهور يشارك في هذه الصناعة بالتصفيق والمشاهدة والمشاركة والتعليق ثم يتساءل بعد ذلك لماذا تغير المجتمع
يا مصر
ماذا يحدث
كيف أصبحنا نكافئ من يصنع الضجيج أكثر مما نكافئ من يصنع المعرفة
كيف أصبح التريند أحيانا أهم من الحقيقة
وكيف أصبح بعض الإعلام يبحث عن أسهل ما يجذب العين بدلا من أصعب ما يبني الإنسان
المجتمع لا ينهار فجأة
القيم لا تختفي في ليلة واحدة
إنها تتآكل كل يوم حين نكرر أمام الناس أن التفاهة تستحق الاحتفاء وأن الابتذال يستحق الشهرة وأن أصحاب الرسالة الجادة يمكنهم الانتظار
ثم نستغرب عندما نجد جيلا لا يعرف لماذا يتعلم ولا لماذا يقرأ ولا لماذا يحترم قيمة العمل
الإعلام مسؤول
والجمهور مسؤول
والأسرة مسؤولة
لكن مسؤولية الإعلام أخطر لأنه يملك الشاشة ويملك القدرة على صناعة النموذج وتوجيه الضوء
فإذا كان كل ما يستحق الضوء هو ما يثير الغرائز ويصنع المشاهدة فانتظروا جيلا يتعلم أن النجاح ليس فيما تقدمه للناس وإنما في مقدار الضجيج الذي تستطيع أن تصنعه حول نفسك
يا مصر
نحن لا نحتاج مزيدا من الضجيج
نحن نحتاج إعلاما يحترم عقل المصري
إعلاما يعرف أن الشهرة ليست قيمة في ذاتها
وأن الحرية لا تعني إلغاء الذوق
وأن الفن لا يعني الابتذال
وأن المجتمع الذي يهدم قدوته بيده لن يستطيع أن يشتكي غدا من غياب القدوة
مصر ليست بحاجة إلى إعلام يطارد التريند
مصر بحاجة إلى إعلام يصنع الوعي
والفرق بين الاثنين هو الفرق بين أن نبني إنسانا
وأن نهدم مجتمعا ونحن نصفق
يا مصر بتعمليها إزاي


