القانون بين المطرقة والسندان…
بقلم محمد عطا القطيعي
حين تضيع الغاية بين النص واللائحة
ليس القانون خصمًا للإنسان، ولا اللائحة قيدًا وُضع ليُثقِل خطواته، ولا الإجراءات جدارًا يُقام بين صاحب الحق وحقه؛ وإنما شُرعت القوانين واللوائح والإجراءات في أصلها لتنظيم الحياة، وحماية الحقوق، وتحقيق العدالة، ومنع الفوضى والتعسف.
غير أن المأساة تبدأ حين تنفصل الوسيلة عن غايتها؛ فيصبح الإجراء أهم من الحق، والشكل أهم من المضمون، والورقة أهم من صاحب المصلحة، ويتحول الموظف من منفذٍ للقانون إلى حارسٍ على أبواب الروتين، لا يفتحها إلا بعد أن تتكاثر التوقيعات والأختام والمكاتبات.
وهنا يقف القانون بين المطرقة والسندان؛ مطرقة الجمود الذي يتعامل مع النص وكأنه غاية في ذاته، وسندان الفوضى التي تتخذ من المرونة ذريعة لتجاوز القانون.
القانون ليس نصوصًا جامدة… وإنما غاية وعدالة
سيادة القانون لا تعني أن تتحول النصوص إلى قوالب صماء لا ترى الإنسان خلف الورق، وإنما تعني أن يخضع الجميع للقانون، وأن تُمارس السلطة في حدود الاختصاص، وأن تُصان الحقوق وفق الضوابط التي قررها المشرّع.
فليس احترام القانون أن نُكثر من الإجراءات ولو عطلت الحق، وليس تطبيق اللائحة أن نتمسك بحرفيتها حين يكون التطبيق المنضبط لروحها وغايتها هو الأقرب إلى العدالة.
القانون له نص وروح وغاية، والموظف أو المسؤول الذي يطبق النص دون أن يدرك غايته قد يلتزم بحروف القانون، لكنه يبتعد عن حكمته.
بين الالتزام بالقانون والاستسلام للروتين
هناك فرق شاسع بين أن تقول: «هذا ما يفرضه القانون»، وبين أن تقول: «هكذا اعتدنا أن نفعل».
الأولى سيادة قانون، والثانية قد تكون مجرد روتين.
القانون مصدره التشريع، أما الروتين فقد يكون مجرد عادة إدارية تراكمت بمرور الزمن حتى ظن البعض أنها أصبحت قانونًا.
ومن أخطر ما يصيب المؤسسات أن تتحول الإجراءات التي وُضعت في الأصل لتيسير العمل إلى غاية مستقلة بذاتها؛ فيصبح السؤال: هل اكتملت الأوراق؟ أهم من السؤال: هل تحقق الحق؟
وهنا لا يعود الروتين خادمًا للقانون، بل يصبح منافسًا له.
اللائحة… تنظيم للقانون لا مصادرة له
اللائحة جاءت لتضع القانون موضع التنفيذ، وتفصل كيفية تطبيق أحكامه، وتحدد الإجراءات والاختصاصات والمسارات التي تحفظ انتظام العمل.
لكن اللائحة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها سلطة أعلى من القانون، ولا أن تتحول إلى وسيلة لتعطيل حق قرره القانون.
فإذا كان القانون قد فتح بابًا للحق، فلا يجوز أن تتحول الإجراءات المنظمة لهذا الباب إلى متاهة تمنع الوصول إليه.
والقاعدة التي ينبغي ألا تغيب عن الأذهان هي:
الإجراء وسيلة لحماية الحق، وليس الحق وسيلة لاستمرار الإجراء.
المرونة القانونية ليست فوضى
وفي المقابل، فإن الدعوة إلى محاربة الروتين لا تعني الدعوة إلى تجاوز القانون.
فالمرونة القانونية ليست أن نفعل ما نشاء، ولا أن نتخطى الاختصاص، ولا أن نتجاهل الضوابط، ولا أن نمنح أحدًا ما لا يمنحه القانون.
المرونة الحقيقية هي أن نبحث داخل الإطار القانوني عن الطريق الأكثر عدلًا والأسرع والأكثر كفاءة لتحقيق الغاية التي وضع القانون من أجلها.
فالمسؤول المرن ليس من يتجاوز القانون، وإنما من يحسن استخدام المساحة التي أتاحها القانون.
واللاروتين المنضبط… هو الحل
أما «اللاروتين» الذي نحتاجه، فلا يعني إسقاط النظام، وإنما يعني التخلص من الروتين الذي لا سند له، والإجراء الذي لا ضرورة له، والتكرار الذي لا يضيف حماية، والتعقيد الذي لا يحقق مصلحة.
إننا لا نريد إدارة بلا قواعد، وإنما نريد إدارة تفهم القواعد.
لا نريد موظفًا يخاف من اتخاذ القرار، وإنما مسؤولًا يعرف حدود سلطته ويملك شجاعة تطبيق القانون تطبيقًا صحيحًا.
لا نريد اختصار الطريق على حساب القانون، وإنما نريد إزالة الحواجز التي لا يطلبها القانون أصلًا.
متى يصبح الروتين خطرًا؟
يصبح الروتين خطرًا حين يتحول من وسيلة إلى غاية.
حين يطلب من المواطن مستندًا لا ضرورة له.
حين تتكرر التوقيعات دون قيمة حقيقية.
حين ينتقل الملف من مكتب إلى آخر دون أن يقترب من الحل.
حين يصبح التأخير أمرًا طبيعيًا، والإنجاز استثناءً.
وحين يقال لصاحب الحق: «هذه هي الإجراءات» دون أن يسأل أحد: هل هذه الإجراءات واجبة فعلًا، أم أنها مجرد عادة إدارية استقرت حتى أصبحت أقوى من الحاجة؟
عندها لا يكون الروتين مجرد بطء في الأداء، وإنما يصبح عبئًا على العدالة والإدارة والمواطن معًا.
ولكن… لا بد من الوجه الآخر
ومع ذلك، فإن محاربة الروتين لا ينبغي أن تتحول إلى فوضى إدارية.
فبعض الإجراءات وُضعت لحماية المال العام، وبعضها لحماية حقوق الغير، وبعضها لمنع التلاعب، وبعضها لإثبات المسؤولية، وبعضها لضمان تكافؤ الفرص.
ولهذا فإن حذف الإجراءات لمجرد أنها تبدو كثيرة قد يكون خطرًا، كما أن الإصرار عليها جميعًا دون تمييز قد يكون أكثر خطرًا.
الحل ليس في إلغاء النظام، وإنما في تنقية النظام.
ليس في تجاوز القانون، وإنما في تطبيق القانون بكفاءة ووعي.
ليس في إلغاء اللوائح، وإنما في مراجعة ما عفا عليه الزمن منها، وإزالة ما لم يعد له مبرر، وتبسيط ما يمكن تبسيطه.
القانون يحتاج إلى عقلٍ يفهمه
القوانين لا تُحترم بكثرة النصوص، وإنما بحسن تطبيقها.
واللوائح لا تنجح بكثرة المواد، وإنما بوضوحها.
والإدارة لا تقاس بعدد المكاتبات التي تنتجها، وإنما بعدد المشكلات التي تحلها.
والموظف الكفء ليس من يعرف كيف يقول «لا» لكل طلب، وإنما من يعرف متى يقول نعم، ولماذا يقول نعم، وكيف يقولها في حدود القانون.
وهنا يظهر الفرق بين الموظف الذي يؤدي وظيفة، والمسؤول الذي يحمل أمانة.
في النهاية… القانون بين المطرقة والسندان
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع أن يتحول القانون من وسيلة لتحقيق العدالة إلى مجرد متاهة إجرائية، كما أن أخطر ما يمكن أن يحدث للإدارة أن تتحول المرونة من وسيلة لتيسير الحق إلى باب للمحاباة وتجاوز الاختصاص.
ولهذا فنحن في حاجة إلى معادلة دقيقة ومتوازنة:
سيادة القانون بلا جمود،
والالتزام باللوائح بلا عبودية للروتين،
والمرونة بلا فوضى،
واللاروتين بلا تجاوز،
والإجراء بلا تعطيل،
والسلطة بلا تعسف،
والحق بلا استثناءات.
فالقانون العادل يحتاج إلى إدارة تفهمه، واللائحة الناجحة تحتاج إلى عقل يضعها في موضعها، والمواطن يحتاج إلى مؤسسات لا تجعله يدفع ثمن التعقيد الإداري من وقته وحقه وكرامته.
وفي النهاية، ليست القضية أن نختار بين القانون والمرونة، ولا بين اللوائح واللاروتين؛ وإنما أن نعيد كل شيء إلى موضعه الصحيح.
فالقانون فوق الروتين، واللائحة في خدمة القانون، والإجراء في خدمة الحق، والمرونة داخل حدود المشروعية.
وعندما نفهم هذه المعادلة، لن تكون الإدارة آلةً تكرر الإجراءات، ولن يكون القانون مطرقةً فوق رأس المواطن، ولن يكون اللاروتين ذريعةً للفوضى؛ بل يصبح القانون كما ينبغي أن يكون:
ميزانًا للعدل، وحصنًا للحق، وطريقًا واضحًا إلى الإنصاف.
وهنا فقط…
لا يعود القانون بين المطرقة والسندان، بل يصبح هو الميزان الذي يمنع المطرقة من الظلم، والسندان من الانحراف.
القطيعى الشريف
القانون بين المطرقة والسندان…


