الرئيسية » لوحة التشكيل المستقبلية بين الفرشاة والخوارزميات بقلم/ الكاتبة سعاد ثقيف
ثقافة

لوحة التشكيل المستقبلية بين الفرشاة والخوارزميات بقلم/ الكاتبة سعاد ثقيف

لوحة التشكيل المستقبلية بين الفرشاة والخوارزميات

بقلم/ الكاتبة سعاد ثقيف

 

ظل الفن ،منذ فجر الحضارة، امتيازا إنسانيا خالصا. واليوم، وللمرة الأولى في تاريخ البشرية، تجرؤ آلة صامتة لا تملك عينين ولا قلبا على منازعة الإنسان في أقدس ما يملك: قدرته على الإبداع.

يشهد الفن التشكيلي في عصر الذكاء الاصطناعي تحولات عميقة تجعل من الخيال الإنساني والآلة شريكين في صياغة المستقبل. إذ قفز الذكاء الاصطناعي من معالج صور، إلى شريك يقترح تراكيب لونية، ويولد أشكالا غير متوقعة، ويفتح أمام الفنان احتمالات بصرية لم يكن ليصل إليها بمفرده. 

استفاد الكثير من الفنانين المعاصرين من هذه القدرة الحاسوبية الهائلة للألة على توليد أفكار أولية. فهو يضع الفكرة ويترك للخوارزمية مهمة التجسيد، ليصبح العمل الفني نتاجا لتفاعل بين العقل البشري والآلة. هذا التفاعل يتيح للفن التشكيلي أن يتجاوز قيود الزمن والمواد. لكن هذا الفعل يعتبر ثورة تحمل تحديات فلسفية وأخلاقية. وتطرح أسئلة حول الإبداع و الهوية والملكية الفكرية فاللوحة انتجت بضغطة زر استنادا إلى وصف نصي، فأين يكمن الإبداع؟ هل هو في الفكرة، أم في الصياغة اللغوية للأمر، أم في اختيار النتيجة من بين مئات الاحتمالات؟ كما تثار أسئلة قانونية وأخلاقية حول حقوق الفنانين أصحاب البرامج الذين دربوا الالة وحول من يملك حق التوقيع على عمل شارك في صنعه كيان غير بشري.

و مع ذلك ،فلا خوف على الفن التشكيلي. لأنه تاريخيا، لم يمت حين صارت الآلة قادرة على “نقل الواقع” بدقة مع اختراع الكاميرا، إذ اتجه الرسامون نحو التعبيرية والتجريد وما بعد الحداثة، باحثين عما لا تستطيع الآلة فعله. وسيحدث الأمر ذاته مع الذكاء الاصطناعي، إذ يتوقع أن يتجه الفن التشكيلي نحو تقدير أكبر للمس اليدوي، والخطأ الإنساني، والقصة الشخصية خلف العمل، باعتبارها قيمة مضافة لا يمكن للخوارزميات محاكاتها بصدق.

والأرجح أن المستقبل لن يكون صراعا بين الإنسان والآلة، بل نشوء أشكال فنية هجينة تمزج بين التوليد الرقمي والتنفيذ اليدوي، وبين المعارض التقليدية والفن الرقمي التفاعلي، وبين النقد الجمالي الكلاسيكي ومعايير جديدة تقيم “جودة الحوار” بين الفنان وأداته الذكية. سينجح الفنانون الذين سيتعاملون مع هذه التقنية كوسيط إضافي ضمن أدواتهم، تماما كما تعامل الرسامون سابقا مع الطباعة والتصوير الفوتوغرافي والحاسوب.

و يبقى الفن التشكيلي، مهما تطورت أدواته، مرآة للوعي الإنساني وتساؤلاته الوجودية، وهذا بالذات ما يصعب على أي خوارزميات، مهما بلغت تعقيدا، أن تمتلكه أو تستنسخه.

 ويبقى السؤال المطروح :كيف يمكن الحفاظ على أصالة التجربة الإنسانية وسط هذا الطوفان الرقمي؟ هذا السؤال سيظل محور النقاش في السنوات القادمة، لأنه يمس جوهر الفن باعتباره فعلا حضاريا يعكس الروح قبل أن يعكس الصورة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *