أثر اللسان على القلوب والأقدار.. قبل أن تتكلم فكّر
بقلم محمد عطا القطيعي
ليست الكلماتُ أصواتًا تتبدّد في الهواء، ولا حروفًا تنتهي لحظتها بانتهاء النطق بها؛ إنما الكلمةُ كائنٌ خفيّ، يولد من فمك، ثم يبدأ عمرًا آخر في قلوب الآخرين وأقدارهم.
فاحذر ما تقول؛ فإن للكلمة ظلًّا لا يفارق صاحبها، وأثرًا قد يسبق خطاه، وربما بقي بعده حين يصمت كل شيء.
قد تخرج منك كلمةٌ عابرة، فتسقط في قلب ولدك فتزرع فيه ثقةً أو خوفًا، أو تمرّ على قلب من يحبك فتمنحه دفئًا لا ينساه، أو تصيب إنسانًا غريبًا في طريقه، فيحملها معه أعوامًا دون أن تعلم أنك كنت يومًا سببًا في انكساره… أو نجاته.
وما أكثر الذين هدمتهم كلمة، وما أكثر الذين أقامتهم كلمة!
كلمةٌ واحدة قد تكون يدًا تمتد إلى غريق، وقد تكون حجرًا يُلقى في بئر إنسان لا يعلم كيف يخرج منه. وقد تكون بلسمًا على جرحٍ مستور، أو سهمًا نافذًا في موضعٍ لا تراه العين.
وللكلمة شأنٌ أعظم مما نظن؛ فهي لا تسقط على آذان الناس فحسب، بل تتسلّل إلى أعماقهم، وتستقر في الذاكرة، وتعيش في الوجدان. وربما نسي الناس وجهك، ونسوا يوم لقائك، ونسوا تفاصيل حديثك، لكنهم قلّما ينسون كيف جعلتهم كلماتك يشعرون بأنفسهم.
فلا تقل: «إنها مجرد كلمة»؛ فما من شيءٍ عظيمٍ أو خطيرٍ بدأ إلا بكلمة.
بالكلمة يُبنى بيت، وبالكلمة يُهدم وطنٌ في قلب إنسان.
بالكلمة تُولد المودة، وبالكلمة تُدفن سنواتٌ من المحبة.
بالكلمة يعلو المرء في أعين الناس، وبالكلمة يسقط من مقامٍ ظنّ أنه لا يسقط منه.
إن للكلمة ميزانًا لا يراه إلا أصحاب البصيرة؛ لأنها قد تعود إليك يومًا في صورة قدر، أو ذكرى، أو موقف، أو دعاء، أو حتى ندمٍ طويل لا ينفع معه الاعتذار.
فما يخرج من فمك لا ينتهي عند أذني من يسمعك؛ قد يمضي إلى بيته، وإلى أبنائه، وإلى ليله، وإلى وحدته، وربما إلى أعوامه القادمة.
لذلك، قبل أن تتكلم، تذكّر أن أمامك قلوبًا لا تعرف مقدار هشاشتها، ونفوسًا تخفي وراء ابتسامتها ألف جرح، وأرواحًا ربما كانت تنتظر منك كلمةً واحدة لتستعيد شيئًا من إيمانها بالحياة.
عُدّ إلى العشرة… فإن لم يكفِ، فعُدّ إلى العشرين.
وإن كانت الكلمة ستجرح، فعدّ إلى المائة.
ثم اسأل نفسك:
هل تستحق هذه الكلمة أن تُقال؟
هل تصلح ما أفسدته؟
هل ترفع إنسانًا أم تكسره؟
هل تترك وراءها نورًا أم ندبة؟
فإن وجدت فيها خيرًا، فأطلقها؛ فإن بعض الكلمات صدقات لا تُدفع من مال، ولكنها تُدفع من جمال الروح.
وإن وجدت فيها شرًّا، فأمسكها؛ فإن الصمت في بعض المواطن ليس عجزًا، بل حكمة، وليس هروبًا، بل انتصارٌ على نزوة الغضب.
يا صديقي…
لا تجعل لسانك أسرع من قلبك، ولا تجعل غضبك يكتب تاريخ علاقتك بالناس.
فكم من كلمةٍ قيلت في لحظة غضب، احتاج صاحبها إلى أعوامٍ كي يمحو أثرها، ولم يستطع.
وكم من كلمةٍ طيبة قيلت في لحظة صدق، بقيت في قلب صاحبها حتى آخر العمر.
إننا جميعًا نعيش تحت ظلال كلماتنا؛ فما نقوله اليوم قد يصبح غدًا جزءًا من أقدارنا، وما نزرعه في قلوب الناس قد يعود إلينا ذات يوم، خيرًا كان أو وجعًا.
فاختر كلماتك كما تختار طريقك؛ فإن الطريق قد يأخذك إلى مكان، أما الكلمة فقد تأخذ إنسانًا إلى عمرٍ كامل.
قل خيرًا… أو اصمت.
وإذا تكلمت، فاجعل لكلماتك قلبًا قبل أن تجعل لها لسانًا.
فأجمل الناس ليسوا أكثرهم كلامًا، وإنما أكثرهم إحساسًا بما تفعله كلماتهم في الآخرين.
فدائمًا هناك ظلٌّ للكلمة…
ودائمًا قلوبنا مظلَّلة بالكلمات.
فاختر الظل الذي تريد أن تتركه خلفك. ❤
———-القطيعى الشريف ————
أثر اللسان على القلوب والأقدار.. قبل أن تتكلم فكّر


