بقلم محمد عطا القطيعي

حين تتحدث الحياة بلغةٍ لا نسمعها إلا إذا أنصتنا
ليست كل الرسائل تُكتب بالحبر، ولا كل الكلمات تُنطق باللسان، ولا كل الحقائق تأتي في صورةٍ واضحةٍ يمكن للعقل أن يلتقطها من الوهلة الأولى.
ففي الحياة رسائل كثيرة…
رسائل نقرأها، ورسائل نشعر بها، ورسائل لا نفهم معناها إلا بعد أن يمضي بنا الزمن.
هناك رسائل واضحة جليّة، تأتيك صريحة لا تحتاج إلى تأويل، كأن الحياة وضعتها أمام عينيك وقالت: هذا هو الطريق.
وهناك رسائل خفية، تختبئ خلف موقف عابر، أو كلمة قيلت دون قصد، أو شخص دخل حياتك في لحظة لم تكن تتوقعها، ثم ترك فيها أثرًا لم تستطع الأيام محوه.
وهناك رسائل رمزية؛ قد تأتيك في صورة مشهد، أو صدفة، أو حلم، أو لقاء، أو حتى في سقوط شيء كنت تظنه ثابتًا. ليست العبرة في الحدث وحده، وإنما في السؤال الذي يوقظه الحدث داخلك: ماذا يريد هذا الموقف أن يعلّمني؟
وهناك رسائل مرئية تراها العين، ورسائل مخفية لا تراها إلا بصيرة القلب والعقل.
وقد يكون الصمت رسالة، والغياب رسالة، والتأخير رسالة، وانغلاق باب رسالة، وفتح باب آخر رسالة.
بل إن بعض الناس أنفسهم يكونون رسائل في حياتنا؛ يأتي أحدهم ليعلّمنا الوفاء، ويأتي آخر ليعلّمنا الحذر، ويأتي ثالث ليكشف لنا قيمة أنفسنا بعد أن كنا لا نعرفها.
أما أعظم الرسائل فهي تلك التي تأتي في اللحظة التي نظن فيها أن كل الأبواب قد أُغلقت، وأن الطريق انتهى، وأنه لا حلّ.
وهنا تبدأ الفلسفة الحقيقية.
فربما لا يكون غياب الحل هو نهاية الحكاية، بل بداية اكتشاف حلٍّ لم نكن نراه.
كم من أزمةٍ ظننا أنها عقوبة، ثم اكتشفنا بعد سنوات أنها كانت حماية.
وكم من بابٍ أُغلق في وجوهنا، فغضبنا من إغلاقه، ثم أدركنا أن وراءه طريقًا لم يكن يليق بنا.
وكم من شخصٍ رحل عن حياتنا، فحسبنا أن الرحيل خسارة، ثم اكتشفنا أن بعض الرحيل كان إنقاذًا.
وكم من تأخيرٍ أوجعنا، ثم جاء ما ننتظره في الوقت الذي أدركنا فيه أن التوقيت كان جزءًا من الحكمة.
وهنا ينبغي أن نفهم أن الفلسفة ليست مجرد أسئلة معقدة، ولا كلمات غامضة يتبادلها المثقفون، وإنما هي قدرة الإنسان على أن يرى المعنى خلف الظاهر، والحكمة خلف التجربة، والاحتمال خلف المستحيل.
فالفلسفة تعلّمك ألا تسأل فقط:
ماذا حدث؟
بل أن تسأل:
لماذا حدث؟ وماذا يريد هذا الحدث أن يعلّمني؟
والفرق بين السؤالين هو الفرق بين إنسان يعيش الأحداث، وإنسان يفهم الأحداث.
إن الحياة لا تعطيك دائمًا الإجابة مباشرة؛ أحيانًا تعطيك لغزًا، وتترك لك مهمة البحث عن الحل.
قد ترسل لك إنسانًا فتظنه قدرًا دائمًا، ثم تكتشف أنه كان درسًا مؤقتًا.
وقد تمنحك فرصة فتظنها نجاحًا، ثم تكتشف أنها اختبار.
وقد تمنع عنك شيئًا كنت تظنه خيرًا، ثم تكتشف بعد حين أن المنع كان عين العطاء.
ولهذا فإن بعض الرسائل لا تصل في وقتها.
هناك رسالة لا تفهمها اليوم، لكنك ستفهمها غدًا.
وهناك موقف يؤلمك الآن، ثم يصبح بعد سنوات من أكثر المواقف التي شكّلت شخصيتك.
وهناك كلمة سمعتها عابرة، ثم تعود إليك بعد زمن وكأنها كُتبت خصيصًا لتلك اللحظة.
تلك هي الرسائل الفلسفية للحياة.
أما الرسائل الربانية، فالإيمان يجعل الإنسان يتعامل معها بوعيٍ مختلف؛ فيؤمن بأن ما يقدّره الله ليس عبثًا، وأن الإنسان قد يرى جزءًا صغيرًا من الصورة، بينما الحكمة الكاملة ليست دائمًا في متناول نظره.
ولهذا يقول الله تعالى:
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
فليس كل ما نريده خيرًا لنا، وليس كل ما نخاف منه شرًا علينا.
ومن هنا تأتي واحدة من أجمل قواعد الحياة:
لا تحكم على الرسالة من أول سطر.
فقد تبدأ الرسالة بحزن، وتنتهي بحكمة.
وقد تبدأ بخسارة، وتنتهي بنضج.
وقد تبدأ بحيرة، وتنتهي بيقين.
وقد تبدأ بقولك: لا يوجد حل.
ثم تكتشف أن الحل كان موجودًا، لكنك كنت تبحث عنه في المكان الخطأ.
إن الإنسان الحكيم ليس من يعرف إجابة كل سؤال، وإنما من يعرف كيف يعيش مع السؤال حتى يصل إلى الإجابة.
فإذا ضاقت بك الحياة، فلا تتعجل الحكم على النهاية.
وإذا أُغلق باب، فلا تقف طويلًا أمامه تسأل لماذا أُغلق، بل انظر حولك؛ فربما كان هناك باب آخر ينتظر منك أن تراه.
وإذا تأخر الفرج، فلا تظن أن التأخير يعني الغياب.
وإذا لم تفهم رسالة اليوم، فلا تستعجل؛ فبعض الرسائل تحتاج إلى عمرٍ كامل حتى تُقرأ.
وفي النهاية…
الحياة ليست كتابًا مفتوحًا نقرأه صفحةً واحدة، وإنما هي كتابٌ طويل، بعض صفحاته واضحة، وبعضها غامض، وبعضها ممزق، وبعضها لا نفهمه إلا بعد أن نصل إلى آخر الفصول.
لذلك لا تقل دائمًا:
“لماذا يحدث هذا لي؟”
جرّب أن تقول:
“ماذا تريد الحياة أن تعلّمني من خلال ما يحدث لي؟”
فقد يكون السؤال بداية الحل.
وقد يكون الألم بداية الوعي.
وقد يكون الفشل بداية الطريق.
وقد يكون الصمت جوابًا.
وقد يكون الرحيل رسالة.
وقد يكون الانتظار إعدادًا.
وقد يكون ما تراه اليوم نهايةً، هو في الحقيقة أول سطرٍ في بدايةٍ جديدة.
تلك هي الفلسفة…
أن تؤمن بأن وراء الظاهر معنى،
ووراء السؤال جوابًا،
ووراء العسر مخرجًا،
ووراء كل رسالةٍ تصل إليك… حكمةً تنتظر منك أن تفهمها.
———–القطيعى الشريف ————-
رسائل فلسفية

