الرئيسية » حين يختلف الكبار فلسفه الحوار بين اهل الفكر
اخبار

حين يختلف الكبار فلسفه الحوار بين اهل الفكر

حين يختلف الكبار فلسفه الحوار بين اهل الفكر

بقلم محمد عطا القطيعي

الاختلاف الذي يُنضج الفكرة، والحوار الذي يكشف معدن الإنسان

ليس كلُّ اختلافٍ خصومة، ولا كلُّ اتفاقٍ فضيلة.

فقد يختلف رجلان في الرأي، وهما في الحقيقة أقرب إلى الحقيقة من رجلين اتفقا عليها دون أن يفكرا فيها. وقد يتفق اثنان، وليس بينهما من الفكر إلا صورة الاتفاق؛ لأن أحدهما لم يجرؤ على السؤال، والآخر لم يجد من يراجعه.

إنما الفكر الحيُّ هو الذي يعرف كيف يختلف.

فالعقول الكبيرة لا تخاف من السؤال، ولا تضيق بالنقد، ولا ترى في المخالف عدوًّا يجب إسقاطه، وإنما تراه مرآةً أخرى قد تكشف لها زاويةً لم تكن تراها من قبل.

وهنا تبدأ فلسفة الحوار بين المثقفين.

فالحوار بين أهل الفكر ليس معركةً يبحث فيها كل طرف عن موضع يطعن منه في خصمه، وليس مسابقةً يريد فيها أحدهما أن يخرج منتصرًا والآخر مهزومًا؛ وإنما هو رحلةٌ مشتركة في طريق الحقيقة، قد يبدأها اثنان من جهتين مختلفتين، ثم يلتقيان في منتصف الطريق على أرضٍ اسمها: احترام العقل.

والكبير حقًّا ليس الذي لا يُخطئ، وإنما الذي إذا ظهر له خطؤه لم يستكبر عن الرجوع إليه.

فكم من إنسانٍ أفسد رأيًا صحيحًا لأنه دافع عنه بعناد، وكم من صاحب فكرةٍ عظيمة قتل جمالها حين جعلها جزءًا من كبريائه!

المثقف الحقيقي لا يخاف من المخالف

هناك فرق هائل بين إنسانٍ يريد أن يثبت أنه على حق، وإنسانٍ يريد أن يعرف أين الحق.

الأول يدخل الحوار وفي يده حكمٌ جاهز، ولذلك لا يسمع إلا صوته.

أما الثاني فيدخل وفي قلبه نافذة مفتوحة، ولذلك يستطيع أن يرى النور ولو جاءه من جهة خصمه.

وهذه واحدة من أرقى درجات النضج الفكري:

أن تستطيع أن تقول لمخالفك:

لقد أقنعتني في هذه النقطة.

ليست هذه هزيمة.

بل ربما كانت أعظم لحظة انتصار للعقل؛ لأن الإنسان حين يتراجع عن خطأٍ بعد أن يتبين له، لا يفقد شيئًا من كرامته، وإنما يسترد جزءًا من حريته.

أما الذي يرى الاعتراف بالخطأ عارًا، فقد جعل من كبريائه سجنًا، ومن رأيه صنمًا، ومن عقله حارسًا على سجنه.

الكبار يختلفون على الأفكار… والصغار يختلفون على الأشخاص

حين يختلف أهل الفكر، ينبغي أن تكون المعركة بين الفكرة والفكرة، لا بين الإنسان والإنسان.

ناقش رأيي كما تشاء، ولكن لا تجعل من شخصي موضوعًا للنقاش.

قل لي: هذا الدليل ضعيف.

قل: هذه المقدمة تحتاج إلى مراجعة.

قل: أختلف معك لأن هذه النتيجة لا تلزم من هذه المقدمات.

أما أن تقول: أنت لا تفهم، أو أنت جاهل، أو أنت مغرض، أو أنت لا تستحق أن تتحدث؛ فهذه ليست حجة، وإنما إعلانٌ مبكر عن عجز الحجة.

فالشتيمة لا تقوّي الرأي، والصوت المرتفع لا يجعل الدليل أكثر صحة، والسخرية لا تُسقط البرهان.

إن الحقيقة لا تحتاج إلى صراخٍ كي تكون حقيقة.

الحوار الرفيع يبدأ من حسن الظن

ومن أجمل ما يحتاجه المثقف في حواره مع غيره أن يفترض في مخالفه أولًا أنه يريد الخير ويبحث عن الحقيقة، ما لم يثبت العكس.

فليس من العدل أن تفسر كلام خصمك بأسوأ ما يحتمل، ثم تحاربه على تفسيرك أنت.

اقرأه كما أراد أن يُقرأ.

افهم حجته قبل أن ترد عليها.

اسأل نفسك:

لو كنت مكانه، فما الذي جعلني أصل إلى هذه النتيجة؟

عندها يتحول الحوار من محاكمة إلى فهم.

ومن خصومة إلى معرفة.

ومن مواجهة إلى بناء.

وهذا هو الفرق بين المثقف الذي يحمل شهادة، والمثقف الذي يحمل وعيًا.

فالشهادة قد تمنح صاحبها مكانةً في المجتمع، أما الوعي فيمنحه القدرة على احترام الإنسان الذي يختلف معه.

ليس كل انتصارٍ انتصارًا

ما أكثر الذين ينتصرون في النقاش ويخسرون الإنسان!

يكسب أحدهم الجولة، ويخسر صديقًا.

يثبت أنه كان الأذكى، ثم يكتشف أنه كان الأقل حكمة.

يخرج من الحوار وقد أسكت خصمه، لكنه لم يقنعه.

وهنا ينبغي أن نسأل:

ما قيمة أن تُسكت إنسانًا إذا لم تستطع أن تفتح عقله؟

الحوار العظيم لا يقوم على إسكات الآخر، وإنما على جعله يرى الأشياء من زاوية جديدة.

وقد يكون أجمل انتصارٍ في الحوار أن ينتهي الطرفان وهما يقولان:

لم أتفق معك تمامًا، ولكنني فهمتك أكثر.

وهذه وحدها ثمرة عظيمة.

أخلاق الاختلاف هي الوجه الآخر لثقافة الإنسان

قد تعرف ثقافة الإنسان من كتبه، ومن شهاداته، ومن حديثه، ومن عدد ما قرأ؛ لكنك تعرف أخلاق عقله من طريقته في الاختلاف.

فإذا غضب حين يُناقش، وإذا احتقر من يخالفه، وإذا نسب إلى خصمه ما لم يقل، وإذا بحث عن عثراته الشخصية حين تعجزه الحجة، فاعلم أن المعرفة لم تتحول في داخله إلى حكمة.

أما إذا أصغى، وسأل، وراجع، وأنصف، واعترف، وقال للمخالف: «أختلف معك ولكني أحترمك»؛ فهنا يصبح الفكر أخلاقًا، وتصبح الثقافة سلوكًا، ويصبح العلم نورًا لا سيفًا.

وأجمل الحوار ما ترك في النفس شيئًا

إن بعض الحوارات تنتهي بانتهاء الكلام.

وبعضها يبدأ بعد أن ينتهي الكلام.

وهذا هو الحوار الحقيقي.

أن يعود الإنسان إلى بيته، أو إلى مكتبه، أو إلى وحدته، فيعيد التفكير فيما سمع.

أن يكتشف أن كلمةً قالها مخالفه بقيت في داخله.

أن يعيد النظر في فكرةٍ كان يظنها مكتملة.

أن يفتح كتابًا لأنه سمع سؤالًا جديدًا.

أن يغيّر موقفًا لأنه اكتشف أن الحقيقة أكبر من كبريائه.

ذلك هو الحوار الذي يستحق أن يُسمى حوارًا.

يا أهل الفكر… لا تجعلوا اختلافكم سببًا لانطفاء النور

إن العالم لا يحتاج إلى مزيدٍ من الأصوات التي تتشاجر، وإنما يحتاج إلى عقولٍ تتجادل دون أن تتقاتل.

نحن في زمنٍ كثرت فيه المعلومات، وقلَّ فيه الإنصات.

كثرت فيه المنصات، وقلَّ فيه الحوار.

صار الإنسان يستطيع أن يتحدث إلى آلاف الناس، لكنه يعجز أحيانًا عن الاستماع إلى إنسانٍ واحد يخالفه.

وهنا تكمن المأساة.

فالحضارات لم تُبنَ حين اتفق الناس في كل شيء، وإنما بُنيت حين تعلموا كيف يختلفون دون أن يتحول الاختلاف إلى كراهية.

والفكر لا يكبر بالتشابه، وإنما يكبر بالتنوع.

والعقل الذي لا يرى إلا صورته في المرآة، لا يتعلم شيئًا جديدًا.

القفلة

وفي النهاية، ليست عظمة المثقف في أن تكون له الكلمة الأخيرة، وإنما في أن تكون له الكلمة التي تستحق أن تبقى.

وليس الكبير من لا يخطئ، ولا من ينتصر في كل جدال، ولا من يملك القدرة على إسكات الآخرين؛ وإنما الكبير هو الذي يستطيع أن يجلس إلى جوار من يختلف معه، دون أن يشعر أن اختلافهما ينتقص من قدره.

فالحقيقة لا تخشى الحوار، والعقل لا يخاف السؤال، والإنسان الواثق من فكرته لا يحتاج إلى إهانة مخالفه.

فإذا اختلف المثقفون، فليكن اختلافهم كاختلاف الأنهار في مجاريها؛ تتباعد الطرق قليلًا، ثم تصب جميعها في بحرٍ واحد اسمه الحقيقة.

أما إذا تحول الحوار إلى كِبْر، والنقد إلى تجريح، والاختلاف إلى كراهية، فقد مات الفكر قبل أن يموت الكلام.

لأن أرقى درجات الثقافة ليست أن تعرف كثيرًا…

بل أن تعرف كيف تختلف مع من تعرف، دون أن تفقد إنسانيتك.

حين يختلف الكبار فلسفه الحوار بين اهل الفكر

حين يختلف الكبار فلسفه الحوار بين اهل الفكر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *