رحلة الحقيقة
بقلمي زينب كاظم
في الحياة، كثيرون يسيرون إلى الحق حين يكون الطريق مُزدانًا بالورود، وقليلون فقط يواصلون المسير حين يشتدّ الحرّ وتغيب الظلال.
نلتقي أحيانًا بأشخاصٍ يشبهون النور في بساطتهم، نحبّهم دون سبب، ونشعر أنهم يحملون معنى أكبر مما يبدو ثم تمتحننا الأيام، فتنكشف القلوب كما تنكشف المعادن في النار، فيبقى من يملك ضميرًا، ويهوي من كان قلبه مُزيَّنًا بالزيف.
وهكذا، كان لا بدّ أن تُروى رحلة الحقيقة لا بوصفها حكاية امرأة فحسب، بل حكاية الحقّ نفسه في عالمٍ يُحبّ الجمال إذا كان مريحًا، ويهرب منه حين يطلب تضحية.
رحلة الحقيقة..
كانت بشوشة الوجه، مشرقة الملامح، كأنها نسمة فجرٍ نزلت إلى الأرض في هيئة امرأة.
اسمها قِصّة، أو ربما حقيقة، لم يكن أحد يعرف على وجه اليقين.
في صباحٍ رائقٍ، التقت صدفةً ببعض الأصدقاء الذين لم ترَهم منذ زمنٍ بعيد. دعوها إلى نزهةٍ في أرضٍ بعيدة، فوافقت بطيبة قلبٍ وفرحٍ بريء. كانت الرحلة مفعمةً بالضحكات والحديث الدافئ، يسودها ودٌّ وألفة كأنها تجمع إخوةً لا غرباء.
كانت قصة تتحدث إليهم بأريحيةٍ ومحبة، تروي عن الجمال الكامن في البساطة، وعن النور الذي لا يخبو في قلبٍ صادق. أحبّها الجميع، أحسّوا أن وجودها يضيء الطريق ويملؤهم طمأنينةً وسلامًا.
لكن الطريق طال… واشتدّ الحرّ، وأثقلت الخطى.
بدأ التعب يتسلّل إلى جسدها النحيل، والدوار يعبث برأسها، حتى صارت تتعثر وتتهادى بين الصخور.
عندها، بدأ رفاقها يتساقطون من حولها لا تعبًا، بل تخلّيًا.
بعضهم خاف أن يُبطئ المسير، وبعضهم قال في نفسه: “لسنا مسؤولين عنها، وآخرون اكتفوا بالصمت والمضيّ قُدمًا.
تركوها في منتصف الطريق، في غربةٍ حالكة، لا تسمع سوى صدى أنفاسها وهي تتلاشى مع الريح ،سقطت قصة في الظلام، وغابت عنهم طويلاً.
وحين أشرقت شمسٌ جديدة، صحَت على صمتٍ كثيفٍ يلفّها.
وجدت نفسها وحدها، في أرضٍ لا تعرفها عادت إلى بلدتها القديمة.
كانت متعبة، نعم، لكن في وجهها صفاء لم تعرفه من قبل، وفي عينيها بريق من نورٍ صامتٍ لا يخبو سألت عن رفاق الرحلة.
فقيل لها:أحدهم مات، فالعدالة لم تغب عنه، كأن الكارما لحقت به في منتصف الطريق.
وآخر أغرته الدنيا، فانجرف مع الباطل حتى نسي نفسه.
وثالث بقي نادمًا، يبكي في وحدته، لأنه الوحيد الذي بقي له ضمير، لكنه خاف أن ينقذك حين احتجت إليه.
ابتسمت قصة أو حقيقة وقالت بصوتٍ يملؤه الصفح واليقين:
هكذا أنا… يحبّني الناس حين أكون خفيفةً وسهلة، ويتركونني حين أثقل بالامتحان لكنني لا أموت أعود دومًا متعبة، نعم، لكن أنقى، وأصدق، وأقرب إلى الله ثم مشت بخطواتٍ هادئة، كأنها تعرف أن الطريق مهما طال، سيقودها في النهاية إلى النور.
كانت جميلةً على نحوٍ لا يُرى بالعين، بل يُحسّ بالقلب كجمال الحقّ حين ينهض بعد أن يظنه الناس قد غاب.
رحلة الحقيقة


