
ضاحي عمار
في ذكرى الثاني والعشرين من يناير، تتجدد في وجدان أبناء محافظة البحر الأحمر واحدة من أعظم صفحات التاريخ الوطني، ذكرى معركة شدوان، التي لم تكن مجرد اشتباك عسكري عابر، بل كانت اختبارًا حقيقيًا لإرادة الدولة المصرية خلال واحدة من أدق مراحل الصراع العربي الإسرائيلي، ورسخت هذا اليوم عيدًا قوميًا للمحافظة، تخليدًا لملحمة صمود استثنائية استمرت ستًا وثلاثين ساعة غيرت كثيرًا من معادلات الردع آنذاك.

ففي صباح 22 يناير 1970، حاولت قوات العدو الإسرائيلي تنفيذ هجوم جوي وبحري مباغت على جزيرة شدوان، ذات الموقع الاستراتيجي البالغ الأهمية عند مدخل خليج السويس، في محاولة لاحتلالها والسيطرة على حركة الملاحة وتأمين خطوط إمداد تخدم أهدافه العسكرية. غير أن ما جرى على أرض الجزيرة جاء مغايرًا لكل التقديرات، بعدما اصطدمت القوة المهاجمة بمقاتل مصري يمتلك إرادة قتال لا تعرف التراجع.

قوة محدودة من رجال الصاعقة المصرية وعناصر الدفاع الجوي تولت مهمة الدفاع عن الجزيرة، ودخلت في مواجهة مباشرة استمرت ستًا وثلاثين ساعة متواصلة، تحت قصف مكثف وظروف بالغة القسوة. ورغم التفوق العددي والتكنولوجي للعدو، نجح أبطال شدوان في إفشال مخطط الاحتلال، وإجبار القوات المهاجمة على الانسحاب بعد تكبدها خسائر بشرية ومادية، لتبقى الجزيرة مصرية، عصية على الكسر.

اللواء يونس السبكي، الخبير الاستراتيجي، يؤكد أن معركة شدوان شكلت علامة فارقة في تاريخ حرب الاستنزاف، مشيرًا إلى أن “أهمية المعركة لا تكمن فقط في نتائجها العسكرية المباشرة، بل في رسائلها الاستراتيجية، حيث أثبتت أن القوات المسلحة المصرية قادرة على إدارة معارك نوعية، وفرض معادلة ردع حقيقية، حتى في ظل اختلال ميزان التسليح”. ويضيف أن صمود قوة محدودة أمام هجوم مركب جوي وبحري عكس مستوى عاليًا من الكفاءة القتالية والانضباط العقائدي.
من جانبه، يرى العقيد هاني الحلبي، الخبير الأمني، أن شدوان قدمت نموذجًا فريدًا في إدارة القتال الدفاعي، موضحًا أن “المعركة أظهرت قدرة الجندي المصري على القتال في ظروف شديدة التعقيد، سواء من حيث الطبيعة الجغرافية القاسية للجزيرة أو كثافة النيران المعادية”. ويشير إلى أن فشل العدو في تحقيق أهدافه رغم عنصر المفاجأة شكل ضربة قاسية لصورته العسكرية، وأعاد الثقة إلى الشارع المصري في قدرة الجيش على حماية الأرض.
ولم تقتصر دلالات معركة شدوان على البعد العسكري فقط، بل امتدت إلى أبعاد سياسية ومعنوية بالغة التأثير. السفير دعاء عماد الدين، المستشار السياسي، تؤكد أن المعركة حملت رسالة واضحة للمجتمع الدولي مفادها أن مصر، رغم الضغوط والتحديات، متمسكة بحقها في السيادة والدفاع عن أراضيها. وتضيف أن “شدوان أعادت ترميم الروح المعنوية للمواطن المصري، وأسهمت في ترسيخ صورة الدولة القادرة على الصمود، وهو ما انعكس لاحقًا على مسار الصراع وصولًا إلى نصر أكتوبر”.
وتحمل ذكرى شدوان اليوم معنى خاصًا لأبناء البحر الأحمر، حيث لا يُنظر إلى العيد القومي للمحافظة بوصفه مناسبة احتفالية فحسب، بل باعتباره لحظة استدعاء لمعاني التضحية والانتماء، وفرصة لغرس قيم الوطنية في وجدان الأجيال الجديدة، عبر استحضار نموذج حي لرجال آمنوا بوطنهم ودافعوا عنه حتى آخر طلقة.
وفي هذه الذكرى الخالدة، تتجه التحية إلى أرواح شهداء شدوان الذين قدموا دماءهم فداءً لمصر، وإلى أبطال القوات المسلحة الذين يواصلون، جيلاً بعد جيل، أداء رسالتهم في حماية الأمن القومي وصون مقدرات الدولة. كما يتجدد العهد على مواصلة البناء والتنمية، انطلاقًا من إدراك عميق بأن ما تحقق من أمن واستقرار هو ثمرة تضحيات عظيمة.
ستظل شدوان رمزًا للصمود، ودليلًا ساطعًا على أن البحر الأحمر لم يكن يومًا مجرد حدود جغرافية، بل كان وسيظل جزءًا أصيلًا من تاريخ مصر الوطني، ودرعًا من دروعها الحصينة في مواجهة كل التحديات.
