ما بين التفكك الأخلاقي وغياب الدين المجتمع إلي أين
كتب/دكتور خالد فاروق عميرة
إنَّ ما يحدث في المجتمع عمومًا من انحلالٍ وضياعٍ وتفككٍ أخلاقي، يُعد كارثة حقيقية تستوجب الوقوف أمامها بصدقٍ وشجاعة قبل أن يتفاقم أثرها ويصعب علاجها. فالفساد المجتمعي لا يولد فجأة، بل يبدأ بخطوات صغيرة، أولها الإبتعاد عن الدين، وجهل الناس بالحلال والحرام، وغياب بوصلة الدين التي تضبط السلوك وتقوم الإعوجاج.
فحين يبتعد الإنسان عن دينه، تتسلل إليه الأفكار المنحرفة شيئًا فشيئًا، وتتكاثر في العقول الغافلة التي لا تبصر العواقب، ومن أهم ماينتج عن الابتعاد عن الدين هو ضعف الشعور بالمراقبة، فيظن المرء أن لا أحد يراه، ولا حساب ينتظره، فيطلق لنفسه العنان في الظلم والتعدي، فيظلم نفسه قبل أن يظلم غيره، ويخسر دنياه وآخرته، واستشعار أن الله يراقبه في السر قبل العلن.. فمتى غاب هذا الشعور، انتشر الفساد في المعاملات، وضاعت الأمانة، واختلت القيم، وصار الهوى هو الحاكم بدل الضمير.
وبقدر ما يبتعد الإنسان عن دينه، بقد ما يقترب من التيه الروحي والنفسي؛ فيشعر بالفراغ رغم كثرة الملهيات، وبالقلق رغم وفرة الوسائل؛ لأن القلب خُلق ليُملأ بالإيمان، فإذا خلا منه امتلأ بغيره.
ومن المؤلم أن نرى صورًا من هذا الانفلات في مواسم الطاعة نفسها، كشهر رمضان المبارك، ذلك الشهر العظيم الذي أُنزل فيه القرآن، وجُعل موسمًا لتطهير النفس وتزكيتها وللتقوى، ومع ذلك نجد بعض الناس يجعلونه موسم للغضب والمشاحنات والسبّ والشتم والاعتداء، وكأن الشهر الذي شُرع لتهذيب النفس أصبح عند البعض فرصة لانفلاتها، والحقيقة أن الصيام ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب، بل هو تدريب للنفس على ضبط الشهوات وكبح الغضب وإصلاح السلوك.
وإن التغيير الحقيقي لا يبدأ من خارجنا، ولا بانتقاد المجتمع فحسب، بل يبدأ من داخل النفس.. قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾، فمن أراد إصلاح المجتمع، فليبدأ أولاً بإصلاح قلبه ونفسه، وتصحيح نيته، والتمسك بدينه، وغرس القيم في بيته وأبنائه، فإن صلاح الأفراد هو أساس صلاح المجتمعات.
كما أن المسؤولية لا تقع على العلماء والدعاة وحدهم، بل على كل فردٍ في موقعه؛ بكلمة طيبة، أو نصيحة صادقة، أو قدوة حسنة، أو عمل خيرٍ يعود بالنفع على الناس، فالمجتمع يُبنى بسواعد أبنائه، ويُصلح بوعيهم، ويُحفظ بأخلاقهم.
فالفساد الأخلاقي المجتمعي ليس أمرًا عابرًا، بل أثره بالغ على الشباب والأجيال القادمة، وإذا لم ننتبه اليوم، سندفع الثمن غدًا، أما إذا صدقنا النية، وبادرنا بالتوبة والإصلاح، وأحيينا في قلوبنا معاني الإيمان، فإن الخير باقٍ، والأمل موجود، والتغيير ممكن بإذن الله.
ما بين التفكك الأخلاقي وغياب الدين المجتمع إلي أين
