كيف يمكن للمجتمعات أن تتقدّم إذا استمرت المحسوبية والواسطة في تحكم فرص الناس؟ هذا المقال يكشف أسباب تهميش الكفاءات ويقدّم دعوة شجاعة لإصلاح حال الشعوب عبر العدالة والمساواة.
الكاتب / عايد حبيب جندي الجبلي مدير مكتب سوهاج
أولًا: الفكرة الرئيسة
يرى الكاتب أن إصلاح حال الشعوب لا يمكن أن يتحقق إلا عبر المساواة الحقيقية بين الأفراد، وبناء دولة تقوم على الديمقراطية، والعدالة، وتكافؤ الفرص، بحيث تكون الكفاءة وحدها معيار التقدّم والنجاح، لا القرابة ولا النفوذ ولا المصالح الشخصية.
ثانيًا: نقد المحسوبية والوساطة
ينتقد النص بشدّة ظاهرة المحسوبية التي تنخر مؤسسات الدولة، حيث تُمنح الفرص للأقارب والمعارف بدل الأكفّاء. ويضرب مثالًا بالمجال الفني، حيث يتكرر ظهور أبناء الفنانين، متسائلًا بسخرية منطقية:
هل يمكن أن يكون جميعهم موهوبين بالصدفة؟
وهذا المثال ليس هجومًا على الفن، بل رمزًا لواقع أوسع تعيشه مجالات عديدة في المجتمع.
ثالثًا: تهميش أصحاب المواهب الحقيقية
يشير الكاتب إلى أن أصحاب المواهب الفطرية يُقصَون فقط لأنهم خارج دوائر النفوذ، ما يؤدي إلى هدر الطاقات وتعطيل الإبداع، ويجعل المجتمع عاجزًا عن التقدّم، مهما امتلك من موارد.
رابعًا: ربط القضية بحقوق المرأة والأقليات
يوسّع النص دائرة النقد ليشمل حقوق المرأة والأقليات المهمّشة، حيث يُطلب منهم الصمت بدل منحهم حقوقهم، وكأن المطالبة بالعدل جريمة تهدّد الاستقرار الزائف.
خامسًا: استحضار تجربة فرج فودة
يستحضر الكاتب نموذج المفكّر فرج فودة بوصفه مثالًا لمن قال الحقيقة ودفع حياته ثمنًا لها. فاغتياله يرمز إلى رفض المجتمع مواجهة أخطائه، ومع ذلك فإن أفكاره عادت للظهور، لأن الواقع أثبت صدقها.
سادسًا: رسالة النص ومغزاه
الرسالة الجوهرية هي أن: – المجتمعات التي تُزيّف الحقائق تفقد معنى الحياة فيها.
صاحب الرأي الجريء يُحارَب لا لأنه مخطئ، بل لأنه كشف الخلل. السكوت عن الظلم لا يصنع استقرارًا، بل يؤبّد الفساد.
النص دعوة شجاعة إلى هدم ثقافة الواسطة، وإعادة الاعتبار للكفاءة والعدالة، والتنبيه إلى أن التقدّم لا يصنعه الصمت.
إنّ إصلاح حال الشعوب لا يتحقّق إلا حين تقوم المجتمعات على مبدأ المساواة الحقيقية بين أفرادها، وحين تُبنى الدولة على أسسٍ راسخة من الديمقراطية، والمحبة، والتفاهم المتبادل، وتكافؤ الفرص بين الناس، بحيث يكون معيار التقدّم هو الكفاءة، لا الانتماء، ولا القرابة، ولا المصالح الضيّقة.
فالدولة لا تُبنى بالمحسوبية، ولا بالتعارف، ولا بالتقارب العائلي، ولا بسيطرة أبناء العمومة على مفاصل التوظيف في مؤسساتها. ولعلّ ما نراه في بعض المجالات، كالمجال الفني مثلًا، من تكرار ظهور أبناء الممثلين والممثلات، رغم أنّ هذه المهنة لا تقبل وساطة في الأصل، يثير تساؤلًا مشروعًا: هل يُعقل أن يكون جميعهم موهوبين بالصدفة؟
هنا يتجلّى بوضوح شراء الخواطر والمجاملات، بينما يُقصى أصحاب المواهب الفطرية التي وهبها الله لعباده، فلا تُتاح لهم الفرص، ولا يُسمح لهم بالظهور، لأنهم لا ينتمون إلى دوائر النفوذ.
وقد أوردتُ هذا المثال لأنه ملموس ومرئي للجميع، وهو ليس سوى نموذج مصغّر لواقعٍ أوسع. فاللوم كلّه يقع على عاتق مجتمعٍ لا يُحسن اختيار الكفاءات، ولا يأخذ بالأفكار الخلّاقة من أصحاب المواهب الحقيقية، سواء في الإدارة، أو في المجالات العملية، أو الثقافية، أو الفنية.
ولو استمررنا على هذا النهج القائم على المحسوبية، فسنظل في مكاننا، لا نتقدّم خطوة واحدة، وستبقى الدولة أسيرة توظيف الأقارب، بينما يُهمَّش أبناء البسطاء لغياب الوساطة، في شتّى المجالات بلا استثناء.
ولا يختلف الأمر كثيرًا عن قضايا حقوق المرأة، وحقوق الأقليات المهمّشة في بعض المجالات المرموقة؛ إذ لا يُطلب منهم سوى الصمت، وكأنّ المطالبة بالحق جريمة.
وهنا يحضرنا ما طرحه المفكّر والكاتب الدكتور فرج فودة، حين نادى بإصلاح المجتمعات ومواجهة التطرّف، فكان مصيره الاغتيال، لأنّه قال الحقيقة في وجه واقعٍ فاسد. واليوم، نرى أفكاره تُستعاد تلقائيًا، وقد أدرك المجتمع صدقها على أرض الواقع، بل ونسمع صداها في الدعوات الإصلاحية المعاصرة.
إنّ السير في مجتمعٍ يُلوّث الحقائق يجعل الحياة بلا معنى. وغالبًا ما يُحمَّل صاحب الرأي المسؤولية، لا لخطئه، بل لجرأته على كشف الخلل. فعندما تطرح قضايا الموجوعين، وتعبّر عن آلام المهمّشين، تجد من يتربّص بك، ويحاربك بكل قوّته، متسائلًا بسخرية:
«ماذا ينقصك من حقوقك؟ خذ حقك واصمت».
وهكذا تتحوّل من صاحب قضية إلى متّهم، لأنك أقلقت السكون الزائف، وفضحت بعض الحقائق المحيطة بك، تمامًا كما حدث مع الدكتور فرج فودة، وكما يحدث مع كل من يجرؤ على قول الحقيقة في مجتمعٍ يرفض مواجهتها.