هنا نابل |
بقلم المعز غَنِـي
: تونس تحيي ذكرى شهداء الوطن
في التاسع من أفريل من كل عام، لا تمرّ الذكرى مرور الأيام العادية، بل تتوقف عقارب الزمن إحترامًا ًا، وتنحني القلوب إجلالًا، وتُفتح دفاتر الذاكرة الوطنية على صفحاتٍ كُتبت بدمٍ طاهر لا يجفّ… دم شهداء الوطن.
إنها ذكرى أحداث أفريل 1938، تلك اللحظة الفاصلة في تاريخ تونس، حين خرجت الحناجر تصدح بالحرية، وأرتفعت الهامات في وجه الإستعمار، مؤمنة بأن الكرامة لا تُستجدى، بل تُنتزع إنتزاعًا. يومها، لم يكن الشهداء مجرد أسماء عابرة في سجل التاريخ، بل كانوا نبضًا حيًّا، تحوّل إلى شعلة أضاءت طريق التحرر.
شهداء الوطن… هم نجوم سطعت في سماء المجد، لا تخبو، ورموز خالدة للفداء والتضحية.
هم أولئك الذين لم يترددوا لحظة في مواجهة الخطر، ولم يساوموا على حب الأرض، ولم ينحنوا أمام العاصفة.
كانوا على يقين أن الوطن يستحق أن يُعاش من أجله… وأن يُموت من أجله إن لزم الأمر.
بفضلهم، نحيا اليوم الخميس 09 أفريل 2026 في أمنٍ وسلام، وننعم بوطنٍ إسمه تونس الخضراء، وطنٌ سُقي بدماء أبنائه الأوفياء.
هي ذكرى عزيزة وغالية على قلب كل تونسي غيور، يؤمن أن التاريخ لا يُكتب بالحبر فقط، بل بالدم أيضًا.
وكما قال شاعرنا الكبير أبو القاسم الشابي:
“ومن لا يحب صعود الجبال… يعش أبد الدهر بين الحفر.”
لقد رسم الشهداء بدمائهم الزكية طريق العزة والكرامة، ورفعوا راية الوطن عاليًا، وواجهوا الموت بصدرٍ مفتوح، وإيمانٍ لا يتزعزع بقضيتهم. لم يكن موتهم نهاية، بل بداية لحكاية وطن لا يُقهر، وشعب لا ينسى.
واليوم، ونحن نستحضر بطولاتهم، لا نكتفي بالوقوف إجلالًا، بل نُجدّد العهد… أن نكون أوفياء لتضحياتهم، متمسكين بالمبادئ التي أستشهدوا من أجلها: الحرية، الكرامة، والعدالة. فالوطن لا يُبنى بالشعارات، بل بالوفاء، ولا يُصان بالكلمات، بل بالأفعال.
ستظل أرواحهم الطاهرة تحلّق في سماء تونس، نورًا يُرشدنا، وضميرًا يُوقظنا كلما غفلنا، وصوتًا يهمس فينا: لا تخونوا الحلم الذي سُقينا لأجله دمًا.
فلا عاش في تونس من خانها،
ولا أرتفع شأن من باعها،
والخزي والعار لكل خائنٍ،
يظن أن الوطن يُنسى أو يُشترى.
وكأن الشابي، شاعر الخضراء، كان يرى ما لا نرى، حين خطّ كلماته الخالدة التي أصبحت نشيدًا لكل الشعوب التواقة للحرية:
إذا الشعبُ يومًا أرادَ الحياة
فلا بُدَّ أن يستجيبَ القدرْ
ولا بُدَّ لليلِ أن ينجلي
ولا بُدَّ للقيدِ أن ينكسِرْ
لقد آمن الشهداء بهذه الإرادة، فعانقوا الحياة من أوسع أبوابها… باب التضحية. وتركوا لنا إرثًا لا يُقدّر بثمن: وطنًا حرًّا، وكرامةً لا تُساوم، وذاكرةً لا تنسى.
وفي الختام، تبقى ذكرى شهداء الوطن ليست مجرد مناسبة تُحيى، بل رسالة تُتلى، وعهدٌ يُجدّد، ومسؤولية تُحمّل لكل جيل… أن يحفظ الأمانة، وأن يُكمل الطريق، وأن يظلّ وفيًا لتونس… كما أرادها شهداؤها: حرّة، أبيّة، لا تنحني.
بقلم المعز غني عاشق الترحال وروح الاكتشاف
هنا نابل |


