قراءة نقديّة لقصّة ساكسونيا للكاتبة دعاء محمود بقلم المبدعة سليمة مالكي
ساكسونيا
ينادي بأعلى صوته ـ ساكسونيا سا سا سا ساكسونيا ـ متجوِّلا يوهمنا بأنّه يبدِّل أفخر أنواع الأواني الَّتي لديه بما تحويه بيوتنا من خردة قديمة، ضجيج صوته يجعل الأمّهات تتكالب على بضاعته ظنًّا منهم أنَّه تاجر عظيم، فيكتشفون بعد عدّة مرّات من استخدامها أنَّها لا تساوي مقدار ما بدَّلوه بخردتهم، تتكرَّر يوميًّا التِّجارة، تبديل القديم بزخارف ـ ساكسونيا ـ في الحيِّ الهادئ القديم، منذ عشرات السّنين.
نزلت من سيارة فارهة، جلست في مقهى كبير عصريٍّ في أحد المناطق الرَّاقية، هي شديدة الجمال، رائعة المنظر محتشمة إلى حدٍّ كبير؛ حجاب يُغطي الكثير، تتحدَّث في الهاتف لا تعبأ بالجالسين، نبرة واثقة، كلمات راقية يبدو أنّها مكالمة عمل.
خلعت عنها المعطف الطَّويل؛ ليُظهر ملابس ضيقة مقارنة بحجابها، علّقته خلفها على الكرسيِّ، أكملت المكالمة، بابتسامة المعجب المحترم.
وضع النَّادل بجوارها القائمة.
لم تهتم بها طلبت فنجان من القهوة فقط، أكملت المكالمة.
بدأت سحبُ الشِّتاء تكشِّر عن أنيابها، دمعت السَّماء، لم تنتبه إلى المطر، متعمّقة في مكالمتها،
وضع النَّادل عليها كبسولة شفافة تقيها من المطر ـ كعادة المقاهي الكبرى في الشِّتاء ـ ابتسمت له شاكرة، وأكملت المكالمة.
مع أوَّل رشفة من القهوة أخرجت علبة سجائرها، بدأت تُدَّخن، الواحدة تلو الأخرى، تبدَّلت الأنظار، بدأت الحكايات تُنسج حولها.
كلٌّ يحكي حكاية في فكره، يدعمها بوجهة نظره، حكايات تنسجها العيون.
يعجُّ المقهى بحكايات، أحاديث، ضوضاء الصَّمت يملأ المشهد الرَّهيب.
الكاهل العجوز الجالس تحت المظلَّة يقرأ الجريدة؛ فتاة منحلَّة، تلبس لباس التَّقوى توهمنا بأنَّها قديسة، بدَّلت تقاليدها بما تراه في الغرب، ما الَّذي يجبرها على الحجاب، فلتخلعه أفضل من خداعنا.
الشَّاب الَّذي يدخِّن في الوسط منتظرًا فتاته؛ ليتها تعتذر، فتسنح لي الفرصة بالتَّعرف إليها، فتاة متحرّرة أقيم معها علاقة سهلة.
الرَّجل الأربعيني الجالس في انتظار موعد عمل؛ فتاة جميلة، تخطَّت الثَّلاثين، غير مرتبطة، لا تلبس خاتما، فرصة عظيمة للتَّعرف.
قد أنسج لها من خيوط العنكبوت قصًّة عن بشاعة زوجتي، أوهمها بالزَّواج، أقضي معها وقتًا ممتعًا، مكالمات هاتفية ـ إنّها متحرّرة عصريَّة ـ قد تتطوَّر لتصبح مكالمات جنسيَّة، ألهو معها بعض الوقت، ثمَّ أتركها؛ فأنا لا استطيع خيانة زوجتي، أو أن أتزوَّج عليها.
سيِّدة مسنَّة مع ابنها الكبير جاء ليرفّه عنها بعض الوقت خارج المنزل، بخبرة السِّنين، نسجت فتاة شرقيَّة، طحنتها الحياة ،حتَّى وصلت، لتُطفىء حزنها في سيجارتها، تحاول التَّمسك بتقاليد عروبتها فتشدّها الحياة العصريَّة، التَّحرر الزَّائف، تُحاول التَّماشي مع تقليد العصر الحديث، لتجد لنفسها مخرجًا من قيود قديمة، بدَّلت بعض الأعراف بزخارف غربيٍّة شكليٍّة، لا عن اقتناع أو تربيَة متأصِّلة فيها، بل لتجاري الحياة الحديثة؛ تترقَّى في عملها، تجد رفيق روحها فتكمل معه حياتها.
يداها النَّاعمتان تُوحيانِ بترف متأصِّل، عيناها الواسعتان الشَّاردتان تُخبران بما مرَّ في حياتها من مصاعب لا يقوى على حملها الكثير.
توَقّف المطر، أزال النَّادل الكبسولات عن الجالسين، نظرت نظرة عابرة لمن حولها، نسجت فكرة سريعة عن كلٍّ منهم، تركت للنَّادل حقِّ القهوة بزيادة محترمة فرح بها، نظر إليها نظرة المعجب المشتهي، بدَّل لمحة الاحترام الأولي بقصَّة خائبة في خياله كما فعل الآخرون.
تكمل المكالمة، وهي تغادر مبتسمة غير عابئة بهم.
الكاتبة الصَّحفية/ دعاء محمود
مصر
دعاءقلب
القراءة النّقديّة
نصك غاليتي لا يُقرأ بعينٍ واحدة … بل بقلب يوجع كلّما اقترب من حقيقته.
في “ساكسونيا” لا يبيع البائع أوانيه فقط بل يبيع الوهم… يلمّع الخردة حتى تُغري االآخرين ويستبدَل ما هو أثمن بما هو أقلّ قيمة تحت ضجيج يُشبه إقناعنا اليومي بأنّ ما نراه هو الحقيقة. ومن هنا تبدأ الحكاية… لا في المقهى، بل في الفكرة ذاتها كيف نُخدع بسهولة حين يُرفع الصوت وتُزخرف الأشياء.
ثمّ تنتقل بنا كاتبتنا المبدعة الدكتورة دعاء بذكاء هادئ من بائع الحيّ إلى “بضاعة أخرى”…
وهي إنسانة هذه المرّة تصور لنا الكتابة ببراعة مشهد امرأة جالسة في مقهى لكنّها تتحوّل في عيون الآخرين إلى ساحة تأويل. فهي لم تتكلّم ولم تشرح و لم تدافع… ومع ذلك كُتبت عنها عشرات الحكايات.
كلّ عين كانت “ساكسونيا” أخرى…
كلّ شخص بدّل حقيقتها بخردة أفكاره البالية .
العجوز رأى فيها نفاقًا
الشاب رأى فرصة
الرجل الأربعيني رأى لعبة
والمرأة المسنّة وحدها حاولت أن ترى وجعا إنسانيا يشبهها هذا النص موجع ليس لأنّ المرأة تدخّن، أو ترتدي ما ترتدي… بل لأنّها سُرقت منها حقيقتها وتعرضت للأحكام الجائرة وقُسّمت على أهواء الجالسين.
الملفت والذي راق لي جدا هو أن الكاتبة لم تدافع عنها ولم تُدنها… بل تركتنا نفضح نحن تسرعنا
لقد فضحت سرعة أحكامنا. وجوعنا للتفسير، ورغبتنا في امتلاك الحكايات حتى لو لم تكن لنا.
أمّا النهاية… فكانت أكثر صفعة هادئة للقراء
حين نظرت هي إليهم ونسجت عنهم بدورها حكايات.
كأنّ النص يقول لنا
نحن لسنا ضحايا النظرة فقط… نحن شركاء فيها.
نصك سيدتي يشبه مرآة موضوعة في سوقٍ مزدحم…لا تعكس الوجوه فقط بل تكشف ما خلفها.
في “ساكسونيا” لم يكن البائع وحده من يخدع كنّا جميعًا نحمل صوته في داخلنا
نبدّل الحقائق بزخارف أفكارنا
ونصدّقها…
تلك المرأة لم تكن جالسة في مقهى
كانت جالسة في قفص نظرات
كلّ عين هي قضبان سجن ظالم
وكلّ حكم هو قفل اضافي
وحدها مضت…
كما يمضي من يعرف أنّ الحقيقة لا تُقال
بل تُعاش… ولو وسط ضجيج الصمت.
بقلم سليمة مالكي
نورالقمر

