الكاتب \عايد حبيب جندي الجبلي مدير مكتب سوهاج بجريدة
الذين يغشّون في الحياة يهدمون الصادقين من يأسهم وعدم البحث في مسيرة الحياة، تبقى أنت عائشًا الحياة من دون هدف، وتسلّم أمرك لحياة مبعثرة في سكة الإهمال، ولا تبالي بأي مسؤولية من حولك، وتعيش بلا كيان لك في هذه الحياة المريرة، بشقاء المجتمع من حولك، ولا يتركونك في مسيرتك المأزومة بمعيشتك، ومتفقين في اليأس الذهني الناتج عن عدم التفكير الصحيح، والتشوش بسبب غياب القرار السليم.
وتصبح في نظر المجتمع عاطلًا عن أي عمل، وهذا حكم مجتمعي لا يرحم، ولا يراعي قصة كل شخص ومسيرته في الحياة، فيدينونك دون أن يعرفوا ما هي مسيرة حياتك في الأقدار. فأنت من المحتمل تريد عملًا شريفًا تجد نفسك فيه، أو عملين شريفين ليس فيهما حرام، لكن كل ما تجده أمامك لا يليق بكرامتك وسمعتك الشخصية.
فأنت لا تليق مع الذين يدينونك، لأنك لم تفعل مثلهم، فيقولون إنك لا تدري بشيء في الحياة، ويقولون لك إن الحياة تريد هكذا، ويجعلونك إنسانًا معقدًا لا حياة له في وسطهم، ويسيئون إلى سمعتك بأنك فاشل في أي عمل، وأن اليأس يملكك في كل محاولة.
وتخرج عليك هذه السيرة ولا تفارقك، حتى توافق على ما يفعلونه، وتبقى مثلهم، وتصبح واحدًا إضافيًا في عددهم، ويساعدك شيطانهم في عملك من أجل أن تملك شيئًا، ومن أجل أن يُمحى الخير، ويكثر الذين يفعلون الشر في الحياة.
وكل من يراك في محيطك يشكر الله على ما أعطاك، ولا يعرفون تجني نقودك من الحرام وأنك كنت تبحث عن العمل الشريف، ووافقت على عمل متدنٍ من أجل المال. وهكذا، وكل هذا ينسبون هذا الرزق من عند الله في نظرهم، تصبح إنسانًا جيدًا جدًا، وما تقوله يُنفذ، ويكون لك دور في الحياة، ولك كيان وسط أناس يتلاعبون من أجل النقود، لا كرامة ولا مبادئ احترس من هؤلاء أن كانا أبنك أو أخوك أومن أبناء عمومتك أو أصاحبك من لا يخاف الله خاف منه ومن يخاف الله لا تخاف منه
الذي يشير إليه المقال هو أن بعض الناس قد يبررون أفعالهم أو مصادر أموالهم بقولهم إن “الرزق من الله”، بينما قد يكون هذا المال مكتسبًا بطرق غير مشروعة أو فيها ظلم أو غش. الفكرة هنا ليست في إنكار أن الرزق من الله، بل في أن الإنسان مسؤول عن طريقة كسبه للرزق. فالله يرزق الجميع، لكن الإنسان يُحاسب على اختياره للطريق: هل هو حلال أم حرام. إذًا المشكلة ليست في قول “الله رزقني”، بل في استخدام هذه العبارة لتبرير أفعال خاطئة أو أموال غير نظيفة، دون مراجعة النفس أو التمييز بين الحلال والحرام. يعبّر المقال عن فكرة عميقة تدور حول صراع الإنسان بين التمسك بالمبادئ وبين الاستسلام لضغط المجتمع واليأس،
الخلاصة التي يحملها المقال
في البداية، يتحدث المقال عن حالة الإنسان الذي يفقد الأمل نتيجة رؤية الآخرين قد استسلموا لليأس وتوقفوا عن البحث عن معنى أو هدف في حياتهم. هذا المشهد يجعله يتأثر بهم، فيعيش مثلهم بلا هدف، ويترك نفسه للضياع والإهمال، فلا يعود يهتم بمسؤولياته أو بدوره في الحياة، وكأنه يعيش بلا قيمة أو كيان.
ثم ينتقل المقال إلى تأثير المجتمع، حيث يصف كيف أن الناس من حول هذا الشخص لا يرحمونه، بل يحكمون عليه بسرعة، فيصفونه بالعاطل أو الفاشل دون أن يفهموا ظروفه أو رحلته الخاصة. المجتمع هنا لا ينظر إلى نية الإنسان أو محاولاته، بل يحكم فقط على النتيجة الظاهرة.
بعد ذلك يوضح المقال أن هذا الشخص في الحقيقة لا يرفض العمل، بل يبحث عن عمل شريف يتوافق مع كرامته ومبادئه، لكنه لا يجد ما يناسبه، لأن الفرص المتاحة أمامه قد تكون غير لائقة أو تتعارض مع قيمه. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية، حيث يرفض الانخراط في طرق غير سليمة، بينما الآخرون يقبلون بها.
ثم يظهر الضغط الاجتماعي بشكل أقوى، حيث يبدأ الناس باتهامه بأنه لا يفهم الحياة، وأنه معقد، ويحاولون إقناعه بأن النجاح لا يأتي إلا باتباع نفس الطرق التي يسلكونها، حتى لو كانت خاطئة. ومع تكرار هذا الضغط، تتشوه صورته أمام الآخرين، ويُنظر إليه كشخص فاشل.
ويصل المقال إلى نقطة تحول مهمة، وهي لحظة ضعف قد تدفع هذا الشخص إلى الاستسلام، فيقرر أن يفعل مثلهم، فيدخل في نفس الدائرة، ويصبح مجرد رقم بينهم. عندها قد يحصل على المال أو المكانة، لكن على حساب مبادئه، ويشارك في بيئة قائمة على الخداع أو السعي وراء المكاسب بأي وسيلة.
كما يوضح المقال مفارقة مؤلمة، وهي أن الناس عندما يرونه قد “نجح” ماديًا، يمدحونه ويشكرون الله على حاله، دون أن يعلموا أنه اضطر للتنازل عن قناعاته، وأن هذا النجاح لم يكن نابعًا من الطريق الذي كان يؤمن به.
وفي النهاية، يبرز التساؤل الحائر: لماذا ينجح من يسير في الطرق غير السليمة، بينما يفشل من يتمسك بالصدق والشرف؟ وهنا تظهر الفكرة الأساسية للمقال، وهي أن المجتمع أحيانًا يقيس النجاح بمعايير مادية فقط، ويتجاهل القيم، مما يجعل الإنسان الشريف يبدو وكأنه بلا هدف، رغم أن هدفه في الحقيقة هو أن يعيش حياة نظيفة وصادقة.
الخلاصة التي يحملها المقال اليأس ينتقل بالعدوى من البيئة المحيطة.
المجتمع قد يكون ظالمًا في أحكامه. التمسك بالمبادئ قد يجعلك تبدو متأخرًا أو مختلفًا.
النجاح الظاهري لا يعني دائمًا النجاح الحقيقي. الهدف الشريف قد لا يفهمه الآخرون، لكنه يظل الأصدق والأقوى. المقال في جوهره ليس عن الفشل، بل عن الصراع بين القيم والواقع، وعن إنسان يحاول أن يبقى نقيًا في عالم يضغط عليه ليكون عكس ذلك.
المقال يطرح قضية إنسانية عميقة تدور حول الصراع بين القيم والمبادئ من جهة، وضغط المجتمع والانجراف خلفه من جهة أخرى. يبدأ بتصوير فئة من الناس الذين يسلكون طريق الغش والخداع في الحياة، وكيف أن هؤلاء لا يكتفون بإفساد أنفسهم فقط، بل يساهمون في تحطيم كل من يحاول أن يبقى صادقًا ونزيهًا. فوجودهم يشكّل بيئة ملوّثة تُضعف العزيمة وتزرع الشك في نفوس الآخرين.


