الكاتب \عايد حبيب جندي مدير مكتب سوهاج بجريدة
إنقاذ أرواح مدينة درنة الليبية
عشتُ فيها من عام واحد وتسعين وتسعمائة وألف حتى عام عشرين وألفين، وقد عاينتُ الجريمة الكبرى التي اقترفها التخطيط العمراني في مدينة درنة؛ وذلك بإنشاء عمارات سكنية متجاورة ومتراصة بجانب بعضها بعضاً، وفي نفس مجرى سيل “إعصار دانيال” الذي تسبب بالحادث الأول. فبينما كانت المنازل في الحادث الأول متفرقة، فجرفتها السيول، إلا أن التخطيط العمراني قام بجمع السكان في منطقة واحدة وعمارات متلاصقة، مما “زاد الطينة بلة” (لا قدر الله). لو عاد إعصار دانيال مرة أخرى، فلن يترك شيئاً، لأن تلك المنازل والعمارات تشكل الآن كتلة واحدة مجتمعة، وهذه تعتبر جريمة إنسانية بحق المستقبل، فهي لا تراعي الزيادة السكانية المحتملة في المستقبل.
سيأتي وقت تصبح فيه كثافة السكان في تلك العمارات مشابهة لعمارات “بأنبوخ” وشعبية درنة، ولهذا، فمن الضروري نقل المدينة بكل ما تشمله من مؤسسات ومنشآت تابعة للدولة إلى منطقة “الفتايح” خارج مسار إعصار دانيال وسيله. إن هذا الإجراء ضروري للحفاظ على أرواح المواطنين في درنة وتجنب الكوارث المستقبلية.
مع الوقت، تصبح “الفتايح” المدينة الرئيسية، وتبقى درنة كمكان للترفيه العائلي ورمز تذكاري يخلد أرواح الضحايا، ويتم توزيع جميع القطع السكنية الفارغة في الفتايح على السكان لبناء منازلهم الجديدة هناك
مجرى الموت مدينة درنه
هذا شهادة ورسالة تحذيرية ومناشدة صاغها شخص من خلفية مصرية عاش في مدينة درنة الليبية لعقود، يعبر فيها عن قلقه العميق وألمه الممزوج بالغضب تجاه القرارات التخطيطية التي اتُخذت في المدينة عقب الكوارث الطبيعية السابقة، ويدق ناقوس الخطر بشأن المستقبل.
إليك شرح مفصل لأجزاء المقال ومضامينه:
- الاستدلال بالشهادة الشخصية (المصداقية):
- “عشتُ فيها من عام واحد وتسعين وتسعمائة وألف حتى عام عشرين وألفين”: يبدأ الكاتب بتحديد إطاره الزمني في المدينة (29 عاماً). هذه ليست مجرد معلومة، بل هي تأسيس لمصداقيته؛ فهو ليس مراقباً خارجياً، بل ابن للمدينة عاش تفاصيلها وعرف جغرافيتها وتاريخها مع السيول.
- “وقد عاينتُ الجريمة الكبرى التي اقترفها التخطيط العمراني”: استخدام مصطلحات قوية مثل “عاينتُ” و”الجريمة الكبرى” و”اقترفها” يوضح حجم الاستياء والشعور بالظلم. أرى أن ما حدث ليس خطأً تقديرياً، بل فعل يرتقي لمرتبة الجريمة بسبب عواقبه الكارثية المحتملة.
- تشخيص “الجريمة” العمرانية (المشكلة):
- “إنشاء عمارات سكنية متجاورة ومتراصة… وفي نفس مجرى سيل إعصار دانيال”: هذا هو جوهر الاعتراض. يتهم المُخطط بوضع الكتلة البشرية والعمرانية الأكبر في المكان الأكثر خطورة (بجوار مجرى الوادي).
- المقارنة التاريخية والدليل:
- في الماضي: كانت المنازل متفرقة، ومع ذلك جرفتها السيول.
- الرد التخطيطي (الخاطئ): بدلاً من إبعاد الناس عن الخطر، تم جمعهم وضغطهم في عمارات متلاصقة في نفس بؤرة الخطر.
- “زاد الطينة بلة”: استخدام مَثَل شعبي لوصف استبدال وضع سيء بوضع أسوأ بكثير.
- تحليل المخاطر المستقبلية (التحذير):
- “لو عاد إعصار دانيال مرة أخرى، فلن يترك شيئاً”: التنبؤ بكارثة كلية. المنطق هنا هو أن الكتلة المتراصة (العمارات) ستشكل سداً أمام السيل، مما يؤدي إلى ضغط هائل واقتلاع جماعي، بعكس المنازل المتفرقة التي قد يمر السيل بينها.
- “جريمة إنسانية بحق المستقبل… لا تراعي الزيادة السكانية”: الكاتب ينظر للأمام. العمارات المتراصة الآن قد تكون مقبولة، لكن مع نمو العائلات وزيادة الكثافة (مشبهاً إياها بأسوأ نماذج الاكتظاظ السكني في درنة مثل “بأنبوخ” والشعبية درنة، ستتحول إلى فخ موت جماعي محقق في أي سيل قادم.
- الطرح البديل والرؤية المستقبلية (الحل):
هذا الجزء يمثل الجانب البناء في المقال، حيث لا يكتفي كاتبتي بالنقد بل يقدم خطة عمل:
- أ. قرار استراتيجي (النقل): “نقل المدينة بكل ما تشمله… إلى منطقة الفتايح”. الفتايح هي هضبة مرتفعة تقع خارج مسار الأودية والسيول، وهذا هو الخيار الآمن والمستدام.
- ب. الهدف الأسمى (الحفاظ على الأرواح): التأكيد على أن الدافع ليس عمرانياً بحتاً، بل هو “للحفاظ على أرواح المواطنين”.
- ج. تصور درنة الجديدة (رؤية للمستقبل):
- الفتايح: تصبح هي “المدينة الرئيسية” المركز الإداري والسكني الآمن.
- درنة القديمة (الوادي): لا تُهجر بالكامل، بل تُحول إلى:
- مكان للترفيه العائلي (حدائق ومساحات مفتوحة لا تشكل خطراً في حال السيل).
- رمز تذكاري يخلد أرواح الضحايا، لتحويل المأساة إلى ذاكرة حية تمنع تكرار الأخطاء.
- د. آلية التنفيذ: توزيع القطع السكنية الفارغة في الفتايح على السكان لبناء منازلهم (تخفيف العبء عن الدولة وتشجيع البناء الشخصي الآمن).
خلاصة المقال:
هذا هو وثيقة استغاثة وصرخة عقل، تحلل بمرارة خطأً تاريخياً في التخطيط العمراني، وتقدم بدقة رؤية بديلة قابلة للتنفيذ تنقل المدينة من “مجرى الموت” إلى “هضبة الحياة” (الفتايح)، مع الحفاظ على روح درنة القديمة كمتنزه وذاكرة.


