حين نغتال الطفولة بمداد الكراهية
كتبت : نعمة حسن
في البدء، علينا أن ندرك أن الطفل ليس مجرد كائن صغير ينمو، بل هو “معجزة إدراكية” تمشي على قدمين؛ هو أذكى المخلوقات قاطبة في لحظات صمته، إذ يمتلك راداراً فائق الحساسية، يلتقط الكلمة الشاردة، واللمحة الحاقدة، والصورة المهتزة، ليختزلها في دهاليز “اللا وعي” كشفرات وراثية نفسية. إن الطفل كالإسفنجة الكونية، يمتص رحيق الحب أو سموم البغضاء دون تمييز، وعندما يشتد عوده، لا يفعل سوى “استرجاع” ما تم تخزينه، لتخرج تلك المدخلات في صورة سلوك حاد، أو انفعال مهتز، أو تصرف يعكس الخراب الذي زُرع فيه قديماً منذ نعومة أظافره؛ فالكلمة والصورة هما جينات الروح التي تشكل ملامح الغد.
يا سادة، لا تجعلوا من أرواح صغاركم حقولاً لتجارب مراراتكم، ولا تورّثوهم مآسيكم التي عجزتم عن لجمها أو تجاوزها. إن حكاياتكم المسمومة عن “الخال” أو “العم” أو “الأهل” ليست مجرد تفريغ لشحنات غضبكم، بل هي “قنابل موقوتة” تزرعونها في أساسات بنيانهم النفسي. فالطفل حين يسمع يختزن، وحين يرى يصدّق، وحين تعمدون إلى تهشيم صورة الأهل أمامه، فإنكم بذلك تبترون جذوره التي يستمد منها توازنه؛ فينمو بنفسية مشوهة، يملأها الاغتراب، لينتهي به المطاف كارهاً لكم، وكارهاً لأهله، بل والأدهى من ذلك.. كارهاً لنفسه التي يراها امتداداً لهذا الصراع.
وتأملوا معي تلك الظاهرة التي توجع قلب الأم وتدمي كرامتها؛ حين يرتدي الأب ثوب “الناقد” الأزلي، فيتخذ من التقليل من شأن الأم وسيلةً للحديث، ويجعل من السخرية منها ومن أهلها مادةً يومية أمام أبنائه، متخفياً وراء قناع “الهزار” والمزاح. إن هذا المزاح في حقيقته خنجرٌ يغرس في قيمة الأم، ويجعلها تشعر بالقلة والضياع في مملكتها واهم ممتلكاتها. في حين انه يقدس اهله ويحترمهم ويقدس واجبه نحوهم فيضعهم في مكانة اعلى واقيم فيشب الاولاد على احترام تلك المكانة وتفضيل أهل الأب في الإحترام اكثر من اهل الام .. وكذلك الام التي تقلل من أهل الأب فيكرهم الأولاد .
فاحذر أيها الأب، واعلم علم اليقين أن الابن إذا لم يرَ لأمه قيمةً وهيبة، فلن يكون لك في عينه أيُّ قيمة؛ فاحفظوا قيمة الأم تعظموا في عيون أبنائكم. وأنتِ أيتها الأم، يا منبع الحنان، لا تسمحي لزوجكِ ولا لأولادكِ بهذا الانحدار تحت مسمى الهزار، كوني صلبة في حفظ كرامتكِ، فليس بعد السخرية والتقليل إلا فناء الاحترام.
وانظروا بقلوبٍ واجفة إلى تلك القلاع العائلية التي كانت ملء السمع والبصر، كيف آلت إلى بقايا عائلة وأطلال كرامة! كانت عائلات لها وزنها وقيمتها، لكن السوس نخر في أساساتها منذ البداية. لقد شهدنا عائلات انقسمت شيعاً؛ جزءٌ سكن في بناية واحدة ليوهموا الناس بتماسك صوريّ، وهم في الحقيقة يضمرون كراهيةً تفتُّ العظام، بينما نُبذ فريق آخر فبعد واستقل بعيدا بالروح رغم قرب الاماكن من بعضها ، فصار جزءٌ في الشرق وجزءٌ في الغرب. هؤلاء المنبوذون تقربوا من بعضهم بحثاً عن دفءٍ مفقود، فصار الصراع صراع جبهات، وانتقل هذا الشتات إلى الأبناء الذين كبروا لا يعرفون عن دمهم سوى الخصام. وحين وافت المنية الكبار، لم يتركوا وراءهم إرثاً من الحب، بل تركوا “شوية أولاد” بلا قيمة ولا أثر، تائهين في دروب الحياة، لا يحترمون كبيراً ولا يرحمون صغيراً. لقد تمزقت العائلة ومزقت سلالتها معها، لأن الكبار لم يتعلموا التجمع فكيف للأبناء أن يلتحموا؟ وحتى هؤلاء الذين ورثوا عن أمهاتهم محاولة “لم الشمل” وفتح البيوت للود، نالهم من الغيبة والنميمة والحقد والكراهية لماذا هذا بالذات الكل عنده والكل يذهبون اليه دون ان ينظروا انه لم يبخل عليهم بوقتهم او بواجب او موقف ولم يبخلوا بضيافتهم ولم يتكتموا على اتفه تفاصيلهم ولم يغلقوا بابهم ولم يحددوا مواعيد لأستقبالهم فليس للبخل والخبث مكان عندهم فلماذا لم تفعلوا مثلهم فقد طالهم ما طال أهلهم من قبل من ترقب وغل ، حتى أصبحت العائلة مجرد “بقايا أسرة” يحاول أضعفهم وأقلهم قيمة أن يصطنعوا لأنفسهم وزناً، فالوزن اذا فًقد من البداية لا ياتي في النهاية هيهات! فالبنيان الذي لا يقوم على تقوى الحب والترابط والقوة في قول الحق والموقف الواضح بعيدا عن ارضاء كل الاطراف ، مصيره فقدان وزن ومهابة .
لقد بات الأبناء يقابلون الخال أو الخالة، والعم أو العمة ببرودٍ يقتل الروح، وتطاولٍ يدمي القلب. لقد فُقدت هيبة الكبير وسقطت منزلة القريب في عيونهم، لأنكم بأيديكم أسقطتم قدسيتهم قبل أن يروهم. كيف يطأطئ الصغير رأسه احتراماً لعمٍ وصفتموه بالبخل أمام مسمعه؟ وكيف تُقبّل الابنة يد خالتها وهي قد تشبعت بحديث أمها عن مكرها وحسدها؟ لقد صار الأبناء يمرون بأقاربهم كالغرباء، لا اهتمام يحرّك ساكنهم، ولا احترام يُهذّب ألسنتهم؛ فغاب الوقار من مجالسنا، وحلّ محله جفاءٌ صلف، وتجاهلٌ مقيت، حتى أضحى صلة الرحم مجرد طقسٍ باهت يخلو من الوفاء، بعدما شوهتم براءتهم وصورتم لهم الأقارب كذئابٍ في ثياب بشر.
كم هو موجع أن نرى أباً يغرس في ابنه كراهية أخواله، أو أماً تزرع في ابنتها الحقد على أهل أبيها، محولين البيوت من محاضن للسكينة إلى “ساحات حرب” ضروس. والضحية دائماً هو ذلك الكائن الصغير الذي لا يملك سلاحاً سوى عينيه اللتين ترصدان كل تفصيل بدقة مرعبة، ليصيغ منها مستقبلاً إنساناً ناقماً، متطاولاً على الكبير، فاقداً للرحمة، وعاطلاً عن أسمى مواهب البشر: “موهبة الحب”.
إياكم والشقاق الفاضح أمام أعينهم، وإياكم وهتك أستار العيوب بينكم؛ فإنكم بذلك تحرقون بذرة المودّة في مهدها، وتغتالون الطمأنينة التي هي “الأكسجين” الوحيد لنمو روح سويّة. لا تدفعوا بناتكم للهروب إلى أول يد تمتد إليهن لمجرد الانعتاق من “جحيم البيت”، ولا تدفعوا أولادكم إلى أرصفة الضياع ورفقاء السوء بحثاً عن بديل لبيت لم يجدوا فيه سوى الصراخ والخيبات.
الأطفال ليسوا ممتلكات، بل هم “أمانة” ومرايا صقيلة تعكس صدقكم أو زيفكم، فرفقاً بتلك المرايا ألا تلطخوها بسموم الحقد. اتركوهم يحلّقون في سماء حبٍّ صافية، بلا عُقد تورثونها لهم، وبلا قيود تغلُّ أرواحهم. امنحوهم حياةً يضيئها دفء السكينة لا ظلام النزاع، تملؤها الرحمة لا القسوة، وتغمرها السكينة لا النزاع. ارحموهم.. فإنهم امتدادكم، وثماركم التي ستشهد عليكم أمام الله والتاريخ والقدر.
احفظوا براءة أطفالكم اليوم.. قبل أن يحاسبكم الزمن على ما أورثتموهم من خراب، وقبل أن تندبوا عائلاتكم التي صارت أثراً بعد عين.
انزعوا فتيل الجريمة الصامتة في حق أبنائكم قبل فوات الآوان.
حفظكم الله وحفظ الباقي منكم
مع تحياتي ..
بقلم: نعمة حسن

