الغرور من زاوية تربوية تفكيك الوهم النفسي وبناء الإنسان في الفكر المعاصر
بقلم الأستاذ الدكتور عصام محمد عبد القادر أستاذ ورئيس قسم المناهج وطرق التدريس كلية التربية بنين بالقاهرة جامعة الأزهر
مراجعة وصياغة الخبر محمد سعيد الحداد
الديسك المركزي لجريدة موطني الإخبارية المحلية والدولية
الغرور مرض عضال يصاب به الفرد الذي يعاني فجوة أو قصوراً في عمليات الإدراك إذ يعتقد أنه يمتلك ما هو أفضل ويحوز ما لا يحوزه غيره سواء أكان مادياً أم معنوياً أم كليهما وهذا ما يشير إلى ماهية الانخداع ويبرهن عن جهل بالذات ويؤكد الضعف المراد إضفاء ضبابية عليه من قبل الذات وهنا تتكاثف سحب الغشاوة فلا يرى منها الإنسان المغرور ما يراه الآخرون في بهوه الحقيقي وبالطبع تصبح العزلة مصيراً محتوماً يعيش في خضمها المغرور حياته والاستغناء عن الآخرين فلسفة يستند إليها المغرور إذ يعتقد أنه لديه ما يحقق آماله وطموحاته ويلبي احتياجاته المتنوعة وأن أدواته فاعلة وتسهم في إنجاز مهامه النوعية وهذا في واقع الأمر أقرب للوهم وتردي للحالة النفسية المصابة بسلبيات نشاهدها جلياً في ممارسات صاحب تلك السمة فلا ينتصح إلى غيره ولا يستشير أصحاب الخبرة ولا يتقبل أن يكون في موقف للتعلم واكتساب الخبرة ولا يرتضي أن يرى بأم عينه أصحاب العطاء ومن لهم بصمة خير في شتى دروبه
وأعتقد أن وهم الكمال يجعل الفرد جاهلاً بما لديه بل لا يجهد نفسه من أن يطور من ممارساته أو يضيف إلى رصيده الخبراتي وهنا تتضح المفارقة بين تقدير الذات والغرور فالأولى احترام للنفس وعمق فهم للإمكانيات وإدراك للقصور وسعي بدأب نحو التحسين والتطوير وتعديل السلوك كي يتناغم مع ماهية الإيجابية بما يساعده في تحقيق الاتزان النفسي واكتساب مقومات الصحة النفسية بينما إنكار النقص والهرولة وراء زيف الأحلام وحرب الاحتقار الضاري للآخرين سبيل وحيد لمن يتبنى تلك النقيصة ومن منظور تربوي أرى أن الغرور يقف حجر عثرة أمام فلسفة بناء الإنسان حيث إن النمو المتكامل يستدعي من الفرد أن يكتسب الخبرة في إطار واف أو مترابط والعزوف عن اغتراف المعرفة أو النهل منها بصورة مستدامة لا ينتج عنه إلا تخلف عن الركب بل يؤثر بشكل مباشر على الجانب المهاري أو السلوكي ومن ثم يقع في دائرة التخلف وللأسف لا يتقبل المغتر ما يوجه له من نقد إيجابي بغية تحسين ممارساته كما أن وجدانه يتوق لكلمات التزيين والتلميع وكل ما يشعره بأنه الأفضل
والمغرور ليس من السهل إدماجه في بيئات تقوم على الشراكة أو التعاون في إنجاز المهام الكبرى فهو لا يتقبل ماهية روح الفريق ولا يرتضى أن ينسب النجاح إلا إليه ولا يشعر بارتياح في خضم البيئة المفعمة بالمحبة وعلى النقيض تجده متفاعلاً نشطاً في مناخ الكراهية والتسلط ومن خلاله يوجه النقد إلى الغير خاصة من يمتلك مقومات القيادة الهادفة بغية التقليل من الشأن ومحاولة إثبات الذات ورغم ذلك هناك مناقضة تشير إليها سرية إقراره لمحاسبة الآخرين وتجنب مراجعته فالاعتراف بالخطأ في ثقافته يعد نقيصة لا يرتضيها واستراتيجية الوعظ لا تجدي نفعاً مع المغتر لأن الأمر جد معقد ويحتاج إلى معالجة مقصودة تعتمد في الأصل على فلسفة البرامج التي تهتم بتعديل السلوك إذ يجب أن يدرك الفرد المستهدف بالعلاج أن الجهل يشكل كارثة بالنسبة للإنسان وأن العلم لا يتوقف عند نقطة بعينها فالرصيد يضاف إليه بصورة مستدامة مما يستوجب أهمية المواكبة والاطلاع ومن ثم لا كمال في مجال وإنما تمام الشيء نقصانه فتلك مسلمة تريح النفس وتقر العين وينال منها الرضا لذا نوثق ما تطرقنا إليه بقول العلي القدير وفوق كل ذي علم عليم يوسف ست وسبعون والتضافر من أجل كسر المرآة الخادعة أمام المغرور أمر غاية في الأهمية إذ ينبغي فهم ماهية الاعتذار كونه يشكل منبعاً لقوة الإنسان وليس نقطة ضعف وأن التعاون يسهم في إنجاز المنشود من منظور العقل الجمعي وقوة السواعد وبهذا يدرك أن القوة لا تختزل في ذاته أو طريقة تفكيره أو عزيمته وإرادته الفردية وهذا يجعلنا لا نتوقف عن مسيرة العلاج من خلال تقديم المواقف التي من شأنها أن تغير من وضعية الأنا لدى المغتر فنسمح له بالانخراط في الأعمال التطوعية القائمة على الجهود الجماعية تعالوا بنا ندير حواراً يستوجب أفكاراً ملهمة للنقد الذاتي الذي يدحر سمة الغرور عن فلذات الأكباد وأن يفقهوا ماهية المناقشة القائمة على آداب بعينها وأن نبرهن عن حقائق تقوم على النمذجة فأصحاب العلم يمتازون بالتواضع والسنبلة الممتلئة تنحني وأن نحثهم على تقييم الذات بشكل مستدام ليرصد الخطأ ويعمل على معالجته بعد الاعتراف به ويدرك فحوى السلوك المرغوب فيه ومن ثم يتمسك به قدر مستطاعه مع تقديم كامل الود والمحبة للوطن وللجميع تحت إشراف الديسك المركزي بجريدة موطني الدولية لتقديم المتابعة الفكرية والتربوية المتميزة
وفي الختام يظل دور جريدة موطني الدولية مقتصرًا على الرصد التحريري والمقالات الفكرية والبيانات الرسمية ونقل الصورة المضيئة لجهود الأساتذة والعلماء الأجلاء تحت إشراف الديسك المركزي بالجريدة
الغرور من زاوية تربوية تفكيك الوهم النفسي وبناء الإنسان في الفكر المعاصر


