وأنكحوا الأيامى منكم
بقلم / محمـــد الدكـــروري
يقول الله تعالي ” وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم ” وإن الأيّم باتفاق أهل اللغة تطلق على امرأة لا زوج لها، صغيرة كانت أو كبيرة، بكرا كانت أو ثيّبا، وقال الفقهاء كافة المراد الثيّب، واستدلوا أنه جاء في الرواية الثانية للحديث بلفظ الثيّب، وبأنها جُعلت مقابلة للبكر، وبأن أكثر إستعمالها في اللغة للثيّب، وبأنها جُعلت مقابلة للبكر، وبأن أكثر استعمالها في اللغة للثيّب، والإستئمار هو طلب الأمر من قبلها وأمرها لا يكون إلا بنطق، أما الإستئذان فهو طلب الإذن، وقد يُعلم إذنها بسكوتها، لأن السكوت من علامات الرضا، وقال الحافظ في التعليق على حديث أبي هريرة رضي الله عنه “الثيب البالغ لا يزوّجها الأب ولا غيره، إلا برضاها إتفاقا، والحديث دال على أنه لا إجبار للأب عليها إذا إمتنعت، وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم وقد وقع في الحديث التفرقة بين الثيب والبكر، فعبّر للثيب بالإستئمار وللبكر بالإستئذان، فيؤخذ منه فرق بينهما من جهة أن الإستئمار يدل على تأكيد المشاورة.
وجعل الأمر إلى المستأمرة، ولهذا يحتاج الولي إلى صريح إذنها في العقد، فإذا صرّحت بمنعه إمتنع إتفاقا، والبكر بخلاف ذلك، والإذن دائر بين القول والسكوت، بخلاف الأمر فإنه صريح في القول، وإنما جُعل السكوت إذنا في حق البكر لأنها قد تستحي أن تفصح” وحول حديث ابن عباس، قال النووي في شرح مسلم “واعلم أن لفظة أحق هنا للمشاركة، ومعناه أن لها في نفسها في النكاح حقا، ولوليها حقا وحقها أوكد من حقه، فإنه لو أراد تزويجها كفؤا وامتنعت لم تجبر” وقال الحافظ في كتابه الفتح “البكر التي أمر باستئذانها هي البالغ، إذ لا معنى لإستئذان من لا تدري ما الإذن، ومن يستوي سكوتها وسخطها واختلفوا في الأب يزوّج البكر البالغ بغير إذنها، فقال الأوزاعي والثوري والحنفية ووافقهم أبو ثور، يشترط استئذانها، فلو عقد عليها بغير إستئذان لم يصح، وقال الآخرون يجوز للأب أن يزوّجها ولو كانت بالغا بغير استئذان لم يصحّ، وقال الآخرون يجوز للأب أن يزوجها ولو كانت بالغا بغير إستئذان.
وهو قول ابن أبي ليلى ومالك والليث والشافعي وأحمد وإسحاق، ومن حجتهم مفهوم الحديث، لأنه جعل الثيب أحق بنفسها من وليها، فدل على أن وليّ البكر أحق بها منها” وقال صاحب عون المعبود “والإستئذان عندهم إنما هو على إستطابة النفس دون الوجوب وليس ذلك بشرط في صحة العقد” وذهب ابن القيم إلى ترجيح قول أبي حنيفة، من أن البكر لا تجبر على النكاح من غير رضاها، لأن ذلك هو الموافق لحكم النبي صلى الله عليه وسلم، وقواعد الشرع، ومصالح الأمة، وقال رحمه الله “وموجب هذا الحكم أنه لا تجبر البكر البالغ على النكاح، ولا تزوّج إلا برضاها، وهذا قول جمهور السلف، ومذهب أبي حنيفة، وأحمد في إحدى الروايات عنه، وهو القول الذي ندين الله به، ولا نعتقد سواه، وهو الموافق لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره ونهيه وقواعد شريعته ومصالح أمته، أما موافقته لحكمه، فإنه حكم بتخيير البكر الكارهة أما موافقة هذا القول لأمره، فإنه قال “والبكر تستأذن”
وهذا أمر مؤكد، لأنه ورد بصيغة الخبر الدال على تحقق المخبر به وثبوته ولزومه، والأصل في أوامره صلى الله عليه وسلم أن تكون للوجوب ما لم يقم إجماع على خلافه، وأما موافقته لنهيه فلقوله “لا تنكح البكر حتى تستأذن” وهذا إثبات للحكم بأبلغ الطرق، وأما موافقته لقواعد شرعه، وأياكم والغدر أيها الناس، فلنا رسول الله صلي الله عليه وسلم القدوة الحسنة، فهو صلي الله عليه وسلم الذي حدث منه أنه بعد الإنتهاء من كتابة وثيقة صلح الحديبية بين النبي صلى الله عليه وسلم والمشركين، جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو رضي الله عنه وهو في قيوده هاربا من المشركين في مكة، فقام إليه أبوه سهيل ، فضربه في وجهه وقال هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي وذلك حسب العهد بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم، فأعاده النبي صلى الله عليه وسلم للمشركين، فقال أبو جندل يا معشر المسلمين أأردّ إلى المشركين يفتنونني في ديني؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم.
” إنا عقدنا بيننا وبين القوم عهدا وإنا لا نغدر بهم” ثم طمأنه وبشره النبي صلى الله عليه وسلم قائلا ” يا أبا جندل اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك فرجا ومخرجا” رواه أحمد.
وأنكحوا الأيامى منكم


