بعد سنوات من الغياب عاد الموسيقار محمد عبد الوهاب للغناء عبر رائعته ( من غير ليه ) عام 1989 وكانت الاخيرة بل عدت مرثيته واسدال ستار مسك ختام لسفر فني ثقيل الا انها واجهت جدلا فكريا ودينيا واسعا .. بما تضمنته النصوص ( جايين الدنيا ما نعرف ليه) . عبارات عدت تمس العقيدة و توحي بالتشكيك كما اتهمت بالترويج للالحادية مع كل ما تضمنته من روح ثورية واحساس – ولو غير مباشر – بالظلم المصيري للانسان بل للمجتمعات المحكومة . كتب حينها انها فصل ختام عظيم لفنان اعظم .
( كاظم الساهر) .. اسم فني عراقي اصيل نال من الشهرة وحسن الاداء ما اضفى اليه استحقاق لقب عربي .. شكل حضورا منذ تسعينيات القرن المنصرم بهوية غنائية واضحة حملت طابعا حميميا عبر أدائيات انتقت السرد الوجداني الرومانسي والعاطفي بعيدا عن الاستعراض المترهل برغم اقحامه الكثير من اليات التعبير التي لونها بطابع عربي امتلك قدرة زمام لغة الاعلام والنشر حتى غدى سفيرا للعراق ومن بين اولهم عربيا ..
الساهر ظل طوال عقود ثلاث متربع على تاج الاغنية بقدرة تحكم عالي بالنفس وذوقية تسويقية اجادت واقتحمت خصائصه سيما في ظل غياب لرموز الاغنية العربية انذاك . القدرة الساهرية لم تكن وليدة الصدفة او منحت له عبر منصات الاوركسترا العربية بقدر ما تعنيه من صبر ودراسة اكاديمية ورغبة جامحة ليس بالتطور فحسب .. بل الاصرار على التفرد المتميز .
كاظم الساهر تفنن باتقانه باكرا للمقام العراقي واجادته واصراره على تضمين اعماله المبتكرة مسحة حزن شرقية عراقية وان لبست زيا حداثويا فضلا عن نجاحه بتحويل القصيدة الى مشهد غنائي متكامل عد احد قفزات الفن الغنائي العربي في التسعينات .
لا يمكن نكران الحظ والتوفيق للانسان مهما كان قدراته خارقه وذكائه حاد فانه لا يستطيع ان يبلغ زبى السيل ان لم يرافقه توفيق وسداد دنيوي .. وقد ظهر الساهر بقوة في الوقت الذي كان يعاني العراق العزلة والحصار جراء احداث وتداعيات ازمة الكويت 1990 .. مما جعله ينفذ كالصاروخ في فضاء الدبلوماسية الناعمة اذ اجتمعت الحاجة والرغبة لجميع الجهات بان ينطلق من اوسع ابواب الشهرة في مسارح التسويق العربي التي لا يمكن ان يصلها الفرد بقدراته الذاتية مهما ( تعملق ) فمسارح القاهرة ولبنان وتونس والخليج كانت محطة فضائية حلقت بالساهر نحو ضفاف عربية حققت المطلوب لجميع الجهات ( المطرب وجمهوره المحلي والعربي وفنه ووطنه ) .
بعد سنوات من الانقطاع عاد الساهر باغنية ( متى ) التي عادت الى الى الجذر العراقي وتحديدا الى الابوذية التي شكلت انطلاقته عام 1989 في ( عبرت الشط على مودك ) .. مع اختلاف الظروف الزمكانية فمطلع التسعينات وتلقيح رحم العولمة انذاك ليس كولادتها اليوم ..
( متى الساهر ) .. يراها البعض اسدال ستار الحقبة الساهرية مع جمالها للمتذوقين الا ان زمن توظيف الغناء الذي جعل من ام كلثوم وعبد الحليم وميادة والساهر نجوما قد ولى .. فالاغنية لم تعد قائدة للراي العام او بالاحرى ليس من اولوياته فقد تغير المزاج العام واتسعت سيطرة الثقافة المكوكية الالكترونية بصورة همشت فارق المساحة والفراغ الشخصي بعد ان اصبح عالم الافتراض بمختلف جوانبه الفنية والعلمية والترويحية والعاطفية والاقتصادية … عالم مزاجي مزج بين الترويح والعمل والافراغ التام لباطن الشخص وبيانه الكياني بوحدانية شغلت الفرد عن بقية الاعمال الفنية مهما كان الابداع فيها ..

صحيح ان ( متى ) اتاحت مشهدا ذو حدين نقدا وقدحا مع فضاء واسع للجدل والنقاش بين النقاد والجمهور الا انها بصورة اخرى وبناء على الحضور المتوقع لها في الذاكرة والخاطر الانساني سوف لن تعبر الا خطوات لاهثة تبحث عن جديد في عالم متغير حد التيه والضياع الذي لا نعرف ( متى ) نكون بمتنه فضلا عن متاهات عنوانه . !

