رحلات الحافظ ابن حجر إلى اليمن عبقرية علمية تفوقت على محن الغرق ومكائد الحسد
بقلم/ محمـــد الدكـــروري
تزخر المصادر التاريخية بصفحات مضيئة من سير الأعلام الذين غيروا وجه الحركة العلمية في العالم الإسلامي وفي مقدمتهم الإمام الحافظ شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الذي لم تكن رحلاته العلمية مجرد انتقال جغرافي بل كانت مواسم معرفية حافلة حركت الركود العلمي أينما حل
حراك علمي غير مسبوق في بلاد اليمن
أثار قدوم الحافظ ابن حجر إلى اليمن اهتماماً بالغاً وحراكاً واسعاً بين علماء البلاد إذ أقبلوا عليه ينهلون من بحر علومه ويستمدون من فوائده الحديثية وتروي المصادر أن العالم ابن النفيس العلوي طلب منه أن يخرّج لهم من مرويات نفسه فما كان من ابن حجر إلا أن خرّج لهم “الأربعين المهذبة بالأحاديث الملقبة” في يوم واحد وهو ما يعكس سرعة بديهته وسعة حفظه الفذة
ولم تقف مظاهر عبقريته عند هذا الحد بل كتب بخطه أثناء إقامته هناك كتاب “التقييد” لابن نقطة في خمسة أيام وكتاب “فصل الربيع في فضل البديع” في يومين اثنين فقط كما تلقى علماء اليمن عنه “مشيخة الفخر ابن البخاري” و”المائة العشاريات” لشيخه التنوخي وحدّث بكتاب ابن الجزري في الأدعية المعروف بـ “الحصن الحصين” فتنافس طلبة العلم والعلماء على تحصيله وروايته عنه
الحظوة الملكية والرحلة الأولى
حين بلغت أخبار هذا العالم الجليل مسامع صاحب اليمن الملك الأشرف إسماعيل بن عباس تطلع إلى لقائه والسماع منه وبالفعل التقى ابن حجر بالملك ونظم فيه أكثر من ثلاث قصائد يمدحه فيها كما أهداه “تذكرته الأدبية” بخطه في أربعين مجلداً لطيفاً إلى جانب مصنفات أخرى وقابل الملك الأشرف هذا العطاء بتقدير رفيع فأكرم وفادته وأثابه أحسن إثابة تليق بمكانته المعرفية
وفي عام 800 هـ غادر ابن حجر اليمن للمرة الأولى متوجهاً إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج مصاحباً الموكب الرسمي الذي جهزه الملك الأشرف للحجاج
الرحلة الثانية محنة الغرق واختبار الصبر
لم تنقطع صلة ابن حجر باليمن إذ عاد إليها للمرة الثانية في عام 806 هـ ليلتقي مجدداً بمن عرفهم في رحلته الأولى وبغيرهم من الأعلام فاستمرت حركة الأخذ والعطاء العلمي غير أن هذه الرحلة الثانية حملت في طياتها محنة قاسية إذ تعرض المركب الذي كان يقله لانصداع أدّى إلى غرقه وغرق كل ما كان معه من أمتعة ونقد وكتب
وينقل المؤرخ السخاوي تفاصيل هذه الحادثة قائلاً إن السفينة انصدعت فغرق كل ما فيها واضطر ابن حجر للإقامة ببعض الجزر هناك أياماً وتذكر الروايات أنه اضطر لدفع مبالغ طائلة صُلوحاً عما جرت العادة بأخذه مما يُستخرج بعد الغرق وكُتب محضر رسمي بذلك يُعبر عن حجم وقيمة ما فُقد
وكانت الخسارة الفادحة تكمن في تصانيفه التي كانت بخطه ومنها “أطراف المزي” و”أطراف مسند أحمد” و”أطراف المختارة” وكلاهما من تأليفه بالإضافة إلى ترتيب مسندي الطيالسي وعبد بن حميد كما غرق في الحادثة أمانة مالية كانت بحوزته لابن مسلم تُقدر بنحو سبعة آلاف مثقال من الذهب المصري أو أكثر ولذلك تجشم الحافظ مشقة هائلة وأقام يتابع أعمال البحث في البحر مدة طويلة حتى تيسر استخراج معظم تلك الكتب والأموال ويعزو السخاوي نقلاً عن ابن حجر هذا الحادث إلى “عين حسد” أصابته ممن استعرضوا كتبه الكثيرة وتعجبوا من وفرة ما خطته يداه
من اليمن إلى الشام رحلة علم لا تنتهي
بعد هذه المحنة العصيبة ونجاته منها عاد ابن حجر إلى جدة ومنها حج مجدداً ثم قفل راجعاً إلى بلده ليقيم بها على عادته ممارساً حياته العلمية
ولم تقف همة الحافظ عند حدود اليمن والحجاز ففي عصر يوم الاثنين الثالث والعشرين من شهر شعبان لعام 802 هـ غادر القاهرة قاصداً بلاد الشام بهدف الأخذ عن شيوخها ومحدثيها ومسنديها الأعلام ورافقه في هذه الرحلة الشامية قريبه الزين شعبان والحافظ تقي الدين الفاسي حيث طاف بالبلدان الشامية والمدن التي في طريقه إليها وسمع من أمم كثيرة من العلماء ما لا يوصف ولا يدخل تحت حصر ليظل الإمام ابن حجر نموذجاً فذاً في الرحلة لطلب العلم والصبر على مكاره السفر ومشاق التحصيل
تحريراً ومراجعة وإعادة صياغة صحفية
محمـــد سعيـــد الحـــداد
الديسك المركزي لجريدة موطني الإخبارية المحلية والدولية

رحلات الحافظ ابن حجر إلى اليمن عبقرية علمية تفوقت على محن الغرق ومكائد الحسد

