كتب الدكتور : حازم حلمى إبراهيم – دكتوراة الفلسفة فى الاقتصاد – جامعة القاهرة وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسى والإحصاء والتشريع ،وعضو الجمعية المصرية للأمم المتحدة.
” أزمة الطاقة العالمية 2026: حين تتحول الجغرافيا إلى سلاح وتختنق التجارة عند هرمز وباب المندب”
ليست كل الأزمات تولد في قاعات البورصة أو في أروقة البنوك المركزية، فبعض الأزمات تولد هناك، على صفحة الماء، عند نقطة التقاء بحرين، حيث يضيق الممر ويتسع الخطر. وهذا بالضبط ما يشهده العالم في عام 2026.
فما نعيشه اليوم ليس مجرد ارتفاع في أسعار النفط أو اضطراب في إمدادات الغاز، بل هو أزمة نظام تجاري عالمي بأكمله، اكتشف فجأة أن شريان حياته معلق بمضيقين لا يتجاوز عرض الواحد منهما عرض شارع في مدينة كبرى.
أولًا : حين يصبح المضيق قدرًا للعالم:
إن المتأمل في خريطة التجارة العالمية يدرك حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي أن العالم الحديث، بكل تكنولوجيته وأقماره الصناعية، لا يزال أسيرًا للجغرافيا القديمة.
فمضيق هرمز، ذلك الممر الضيق بين الخليج العربي وخليج عمان، ليس مجرد ممر مائي، بل هو رئة النفط في العالم ، ومنه تعبر شحنات الطاقة التي تضيء مصانع آسيا وتدير محركات أوروبا.
وفي المقابل، يقف مضيق باب المندب، بوابة البحر الأحمر الجنوبية، كحارس وحيد لكل التجارة القادمة من الشرق إلى الغرب عبر قناة السويس.
وحين يضطرب هذان المضيقان معًا ، فإن العالم لا يفقد مصدرًا للطاقة فحسب، بل يفقد القدرة على الحركة.
فالسفينة التي تتوقف هناك لا تحمل النفط وحده، بل تحمل القمح الذي يُخبز في مخابز القاهرة، والدواء الذي يُعالج مريضًا في باريس، والسيارات التي تُباع في أسواق الخليج، والرقائق الإلكترونية التي يعتمد عليها مصنع في ميونخ.
ثانيًا : من اضطراب الملاحة إلى التهاب الأسعار:
إن الأثر الأول للأزمة ظهر في البحر، لكنه لم يلبث أن انتقل إلى البر، إلى بيت كل مواطن.
فشركات الملاحة الكبرى، أمام تهديدات الاستهداف وارتفاع صواريخ التأمين البحري إلى مستويات فلكية، لم تجد أمامها سوى خيار واحد، وهو الهروب إلى الطريق الأطول والأكثر أمانًا ، طريق رأس الرجاء الصالح حول قارة أفريقيا ،وهو قرار يبدو فنياً، لكنه في جوهره قرار اقتصادي مدمر.
فالدوران حول أفريقيا يعني إضافة آلاف الأميال البحرية، وأسابيع إضافية من الإبحار، واستهلاكًا مضاعفًا للوقود، وتأخيرًا في وصول البضائع. وكل ساعة تأخير لها ثمن، وكل طن وقود إضافي يضاف إلى فاتورة المستهلك في النهاية وهكذا، ارتفعت أسعار الشحن، ومن بعدها ارتفعت أسعار الطاقة، ومن بعدها اشتعلت أسعار كل شيء.
لقد تحولت أزمة الملاحة إلى أزمة تضخم عالمي، أثقلت كاهل المواطن البسيط في كل مكان، وأربكت حسابات الحكومات والبنوك المركزية التي كانت تظن أنها انتصرت على التضخم بعد جائحة كورونا.
ثالثًا : قناة السويس.. ثبات المركز في قلب العاصفة:
وفي خضم هذه العاصفة، تقف مصر وممرها المائي الخالد، قناة السويس، في موقع فريد، يجمع بين التأثر والتأثير.
فلا شك أن تراجع حركة السفن القادمة من باب المندب قد ألقى بظلاله على إيرادات القناة، وهي حقيقة اقتصادية لا يمكن إنكارها. لكن الأزمة في الوقت ذاته، كشفت للعالم حقيقة استراتيجية لا تقبل الجدل، وهي أن قناة السويس ليست مجرد قناة للعبور، بل هي جزء من منظومة الأمن القومي للتجارة العالمية.
ولقد أثبتت السنوات الماضية أن رؤية الدولة المصرية في تطوير قناة السويس، وإنشاء المنطقة الاقتصادية المحيطة بها، وتنويع مصادر الطاقة عبر مشروعات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، لم تكن مشروعات للرفاهية، بل كانت قراءة استباقية لمستقبل مضطرب. فالدولة التي تملك القدرة على التخزين، والتصنيع، وإعادة التصدير، وتقديم خدمات لوجستية متكاملة، هي الدولة القادرة على تحويل الأزمة إلى فرصة، وعلى أن تكون ملاذاً آمناً للتجارة حين يضطرب كل ما حولها.
رابعًا : ما بعد الصدمة.. كيف يعيد العالم رسم خرائط تجارته؟
إن أخطر ما في أزمة عام 2026 أنها ليست أزمة عابرة ستنتهي ببيان سياسي أو هدنة مؤقتة، بل هي نقطة تحول تاريخية ستجبر العالم على إعادة رسم خريطة تجارته.
فالعالم الذي كان يبحث لعقود عن المورد الأرخص، أصبح اليوم يبحث عن المورد الأكثر أمانًا ، والمصنع الذي كان يطلب مكوناته من أقصى الأرض لأنه أرخص، أصبح اليوم يفضل المورد القريب، حتى لو كان أغلى ثمنًا ، لأنه مضمون الوصول.
خذ على ذلك مثالًا حيًّا مصنع للسيارات الكهربائية في أوروبا كان يعتمد في إنتاجه على بطاريات قادمة من شرق آسيا تمر عبر باب المندب.
اليوم، وبسبب الأزمة، توقف خط إنتاجه لأسابيع، وتكبد خسائر فادحة، وتعطلت عقود التسليم. هذا المصنع اتخذ قرارًا استراتيجيًّا لن يتراجع عنه، وهو نقل جزء من سلسلة إمداده إلى شمال أفريقيا وتركيا والمغرب، وإقامة مصانع للبطاريات بالقرب من أسواقه، حتى لا يبقى رهينة لمضيق بعيد.
وهكذا، فإننا أمام ميلاد نظام تجاري جديد يقوم على فكرة الإقليمية، وعلى سلاسل الإمداد القصيرة، وعلى الممرات البرية والسكك الحديدية التي تربط الخليج بأوروبا عبر المملكة العربية السعودية والأردن ومصر، كبدائل لا يمكن لأي تهديد بحري أن يقطعها.
كما أن الاستثمار في الطاقة النظيفة لم يعد خيارًا بيئيًّا ، بل أصبح ضرورة استراتيجية للتحرر من قبضة النفط المنقول بحرًا.
وفى الختام :
إن الأمن لا يتجزأ فأزمة هرمز وباب المندب تقول للعالم كله بصوت واضح، إن الجغرافيا لا تزال تحكم، وإن من يملك مفاتيح المضائق يملك مفاتيح الأسواق، وإن التجارة الحرة لا يمكن أن تزدهر دون قوة تحميها.
والدرس الأهم الذي يجب أن تتعلمه كل دولة، هو أن الأمن لا يتجزأ.
فأمن الطاقة هو أمن تجارة، وأمن التجارة هو أمن غذاء، وأمن الغذاء هو أمن وطني. ومن لا يستثمر في تأمين ممراته، وتنويع مصادره، وبناء تحالفاته، سيظل دائمًا رهينة لقرار يُتخذ على بعد آلاف الأميال، عند مضيق ضيق يختنق فيه.

