ألف ليلة وليلة بين البعد الفلسفي والبعد الأسطوري
بقلم/الكاتبة سعاد ثقيف
على الرغم من الطابع الأسطوري الذي يميز كتاب ألف ليلة وليلة بما يزخر به من عوالم عجائبية وشخصيات خارقة وأحداث تتجاوز حدود الواقع، فإن هذا الأثر السردي لا يقتصر على كونه نتاجا للخيال الشعبي أو وعاء للمتعة الحكائية، بل يتجاوز ذلك ليؤسس رؤية فلسفية عميقة للوجود الإنساني. فالحكايات التي يتضمنها النص تشكل فضاء تأمليا تتجلى من خلاله أسئلة الإنسان الكبرى المرتبطة بالحياة والموت والحرية والقدر والمعنى.
وفي هذا السياق، لا تبدو شهرزاد مجرد شخصية تلجأ إلى الحيلة من أجل تأجيل موتها، بل تتحول إلى ذات واعية تمارس فعل السرد بوصفه استراتيجية وجودية لمواجهة الفناء. فالحكي عندها ليس مجرد وسيلة للنجاة الآنية، وإنما فعل معرفي ورمزي يختبر الحدود الفاصلة بين الواقع والمتخيل، وبين الضرورة والاختيار، وبين سلطة القدر وإمكانات الإرادة الإنسانية.

ومن ثم، ترتقي الحكاية في ألف ليلة وليلة من مستوى التسلية إلى مستوى الفعل الوجودي. فمصير شهرزاد معلق بقدرتها على إنتاج المعنى من خلال السرد، وعلى إبقاء شهريار في حالة انتظار دائم. وهكذا يصبح الحكي أداة لتعليق الموت وتأجيله، وتغدو كل ليلة جديدة مساحة زمنية تنتزعها شهرزاد من قبضة الفناء. يمثل السرد هنا تقنية فنية، يتحول بعدها إلى استعارة كبرى للحياة نفسها بما هي حركة مستمرة من التأويل وإعادة بناء المعنى.
وتكشف البنية المتداخلة للحكايات عن رؤية فلسفية للعالم قوامها التعدد والانفتاح وعدم اليقين؛ إذ لا يقدم الوجود باعتباره مسارا خطيا محددا سلفا، بل بوصفه شبكة معقدة من الاحتمالات والتجارب والرؤى المتقاطعة. ومن هذا المنظور، تصبح كل حكاية فعل مقاومة للعدم، وإعلانا ضمنيا بأن استمرار الوجود رهين باستمرار السؤال والخيال والرغبة في الفهم.
ويكتسب هذا التصور أهمية خاصة إذا ما قورن ببعض أطروحات الفلسفة الوجودية الحديثة، ولا سيما لدى ألبير كامي وجان بول سارتر. فقد انشغل هذان الفيلسوفان بإشكالية العبث الإنساني وبكيفية مواجهة عالم يفتقر إلى المعنى المسبق. وفي هذا الإطار، تبدو شهرزاد تجسيدا مبكرا لما ستنظر له الوجودية لاحقا؛ فهي لا تستسلم لمصيرها المحتوم، بل تواجهه عبر فعل الخلق السردي، محولة اللغة إلى أداة للمقاومة وصناعة المعنى.
ويتجلى هذا البعد الوجودي بصورة أوضح عند مقاربة وضعية شهرزاد بأسطورة سيزيف كما قرأها ألبير كامي. فكما يواصل سيزيف دفع الصخرة رغم عبثية المهمة، تواصل شهرزاد نسج الحكايات ليلة بعد أخرى تحت التهديد الدائم بالموت. غير أن ما يمنح هذا الفعل قيمته الإنسانية هو وعيها الكامل بوضعيتها، وإصرارها على تحويل شرط القهر إلى إمكانية للتحرر. ومن ثم يمكن اعتبارها نموذجا للبطلة الوجودية التي تنتصر على العبث من خلال الإبداع المستمر للمعنى.
أما من منظور سارتر، فإن تجربة شهرزاد تجسد مبدأ أن الإنسان يصنع ماهيته من خلال أفعاله واختياراته. فقد وجدت نفسها داخل نظام يحدد مسبقا مصير المرأة ويختزل وجودها في دور الضحية، لكنها رفضت هذا التعريف المفروض، وعملت على إعادة تشكيل هويتها ومصيرها عبر قوة الكلمة. وبهذا المعنى، فشهرزاد ذاتا فاعلة أعادت كتابة مصيرها بنفسها.
ولم يقتصر تأثير السرد على إنقاذ شهرزاد فحسب، بل امتد إلى شهريار ذاته. فالملك الذي سقط في حالة من العدمية الأخلاقية بعد صدمة الخيانة، وفقد ثقته بالقيم الإنسانية، وجد نفسه تدريجيا أمام تجربة سردية أعادت إليه القدرة على التأمل والتعاطف والإنصات للآخر. لقد تحولت الحكايات إلى وسيلة لإعادة بناء وعيه وتحريره من نزعة التدمير التي استولت عليه. ومن ثم، أدى السرد وظيفة علاجية وأخلاقية أسهمت في ترميم العلاقة بين الإنسان والعالم.
وخلاصة القول إن ألف ليلة وليلة مدونة أسطورية أو تراث حكائي شعبي، و نص فلسفي عميق يطرح أسئلة الوجود الإنساني من خلال لغة الرمز والتخييل. وإذا كانت الفلسفة الوجودية الحديثة قد سعت إلى تشخيص أزمة المعنى في العالم المعاصر، فإن شهرزاد قدمت، قبل قرون طويلة، نموذجا عمليا لمواجهة هذه الأزمة، حين جعلت من الحكاية فعلا للمقاومة، ومن السرد سبيلا إلى الانتصار على الموت والعدم.

